شبكه الغريب الاسلاميه




شبكه الغريب الاسلاميه طريقك الى الجنه
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

اهلا وسهلا بكل اعضاء المنتدى الكرام - نتمنى قضاء وقت ممتع معنا  


شاطر | 
 

 أداب وأخلاق

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 5:56 am



تربيتنا الإسلامية .. بين الدعوة والتطبيق

د. الهادي الدرقاش

ـ الأديان والمذاهب .. والدعوة:
إن انتشار الأديان والمذاهب متوقف أساساً على وجود دعاة أكفاء قد هضموا مفاهيم مذهبهم وفهموا مقاصد شريعتهم وبدون هؤلاء لا يمكن البتة لهذه الأديان وتلك المذاهب أن تغدو منهجاً تربوياً يقنن السلوك ويوضح الاختيارات اقتصادية كانت أو سياسية.
ـ منهجية المذاهب:
وقد قامت منهجية المذاهب في أغلب الأحيان على تخيلات فلسفية تحلم بالمدية الفاضلة وبالنعيم الأبدي سواء على أساس عرفي أو اقتصادي ولكن لا أحد منها على مر التاريخ حقق ما يصبو إليه الإنسان. فقد انتهى أغلبها إلى نتيجة سلبية تمثلت في زيادة بؤس الإنسان وشقائه .. وليس ذلك بغريب لأنها نتاج عقول قاصرة وما يمكن للقاصر أن يحقق المثالية.
ـ الأديان .. ومنهجيتها:
والأديان جملة لا تفصيلاً، وكما أنزلت من الإله قد اعتمدت في منهجية دعوتها على الواقع الحياتي للإنسان ملتزمة في ذلك لين اللهجة في غير ضعف، هادفة إلى الاقناع في غير إكراه، فهذا موسى (ع) يؤمن بالذهاب إلى فرعون الطاغية بغرض هدايته إلى الصراط المستقيم. وقد ذكر القرآن ذلك في غاية الإيجاز والإعجاز حيث قال جل شأنه: (اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى ... ) وكذلك فعل عيسى (ع) لما جاء مجدداً للرسالة الموسوية فعلى الرغم من شدة معارضة اليهود له لم ييأس ولم يغضب بل قال فيما يروى عنه (إذا صفعك أحد على خدك الأيمن فقدم له خدك الأيسر) كل ذلك من أجل غرس الفضيلة في الأرض حتى يستطيع الإنسان الخليفة أن يؤدي المهام التي تحمل تبعاتها دون غيره من المخلوقات. أما الإسلام بحكم عالميته وشمول تربيته للمادة والروح فقد التزم منهجية واضحة المعالم بينة السبل فطرية النزعة سهلة المسالك يسيرة المفاهيم.
ـ منهجية الإسلام:
فإذا كانت الموسوية والمسيحية ديانتين خاصتين باليهود اقتضت الخصوصية وجود رجال قيمين على الدين فإن عمومية الإسلام وعالميته منعت أن يكون هناك رجال كهنوت بل اقتضت من المؤمن به قبل كل شيء الإيمان بالرب والرسول والرسالة ثم التطبيق العملي للتعاليم وفهم مقاصدها ومراميها ولهذا أوجب الله على رسوله (ص) قبل غيره الإيمان بالشريعة المنزلة عليه حيث قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) 2/ 289، معنى ذلك أن الإسلام يشذب عمل كل من جعل من الدعوة سبيلاً للظهور أو للربح المادي. لأنه عندئذ يصبح داعية لنفسه لا للدين الذي تسربل بمسوحه، لذا فالدعوة إلى غرس تربية إسلامية متزنة وشاملة تقتضي:
أ ـ ليناً من الداعي في غير ضعف وشدة في غير تزمت وتحجر، ويتم ذلك عن طريق تعميق جذور الأنمطة السلوكية الطيبة من مثل قول الرسول (ص): ((الكلمة الطيبة صدقة)) وفي هذا اليسر تحريك لدوافع الخير في النفس الإنسانية الباحثة دائماً عن الجزاء مهما كانت نوعية العمل الذي قدمته ويظهر هذا المسلك التربوي في منهج القرآن عندما تحدث عن الجنة وما فيها من جزاء من ذلك قوله تعالى: (إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً وكواعب أتراباً وكأساً دهاقاً لا يسمعون فيها لغواً ولا كِذّاباً) والدارس للقرآن يجد آيات الجزاء أكثر من آيات العقاب والردع. كل ذلك من أجل القضاء على نزعة الترهيب والخوف في نفس الإنسان حتى يقبل على أعماله وأمل الجزاء يحدو نفسه.
ب ـ صدقاً من الداعي ويظهر ذلك في التزام الداعي قبل غيره تطبيق التعاليم حتى لا يكون من قبيل قول الشاعر:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتي مُثْلَهُ
ج ـ معرفة بالظروف الاجتماعية والمستويات الفكرية في الوسط الذي تولى فيه مهمة التربية الإسلامية، حتى يكون لعمله مردود طيب ولا مردوداً طيباً إلا إذا عرف طريقة مخاطبة المستمعين فإذا أثر على الوجدان استطاع هذا أن يؤثر على الأنظمة السلوكية، فهل طبقنا نحن هذا في مساجد وشوارعنا وفي وسائل معاهدنا ودور ثقافتنا؟
ـ دور المساجد في غرس تربية اسلامية متزنة وشاملة:
لقد قام المسجد في الإسلام بدور طلائعي في تركيز الحضارة الإسلامية على دعائم ثابتة حيث كان مكاناً لدعم الجوانب الروحية كموطن للعبادة كما كان مكاناً لدعم الجوانب المادية كموطن للتربية والتعليم أما في وقتنا الحاضر فلا شيء من ذلك ألبتة وإذا أردت أخي أن تتحقق مما أقول فما عليك إلا أن ترتاد مساجد متعددة لتظهر لك الحقيقة جلية وواضحة. فخذ مثلاً يوم الجمعة الذي تكتظ فيه المساجد بالمصلين وأرهف السمع إلى خطبة الإمام فإنك لن تجد واحداً من أئمتنا الفضلاء يحادث المصلين عن واقعهم الحياتي ومشاغل أسبوعهم وما يجب عليهم فعله من أجل إصلاح وضعهم وتنمية ثروة وطنهم وتقوية وحدة قومهم استمداداً من تعاليم الإسلام السمحة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر الجاعلة الإنسان خليفة في الأرض من أجل تعميرها وتحقيق السعادة لساكنيها. بل تجد أغلبيتهم يتلون على مسامع المصلين خطباً قيلت منذ عدة قرون ولا تتعجب إن سمعت أدهم يدعو قائلاً: (اللهم انصر جيوش الموحدين يا رب العالمين)، والآخر مردداً: (اللهم نصر جيوش السلاطين من آل عثمان)، والآخر مترنماً: (اللهم أهلك الكفار والصهيونيين وانصر عليهم جيوش أمير المؤمنين) إلى آخر ما هو معروف حتى أصبح محفوظاً لدى أغلب المصلين. إن منصب الإمامة من أدق المناصب في الدولة الإسلامية إذ اكن لا يتولاه بعد الرسول (ص) إلا الخليفة أو مَن يعينه الخليفة من أهل العلم والمقدرة والصلاح والذكاء. فكيف يعقل أن يكون أئمتنا يعيشون في عصر غير عصرنا فيدعون لحكام قد كانت لهم الكفاية في دعوات أئمة عصرهم.
إن الإمامة أصبحت في مساجدنا وقفاً على المسمنين من المتقاعدين أو من غيرهم والذين لا يمتون بصلة إلى ميدان التربية والتوجيه ذلك أن الإمامة مهمة تربوية تقتضي العمق الثقافي والقدرة على الإقناع والاقتناع لا وظيفة تشريفية تسند هكذا بدون اعتبارات علمية.
إن عدم أداء الإمام لوظيفته يترتب عنه إعراض من طرف الشباب خاصة عن المساجد وفي إعراضهم يكمن فشلنا في عدم خلق شباب عامل بالقيم الإسلامية. فكم يسعد مجتمعنا بالطبيب المتدين العالم، وبالمهندس المسلم ذي الكفاءة العالية المبدعة في كل ما اتصل بحياتنا الصناعية.
ـ وسائل الإعلام ودور الثقافة:
بالاضافة إلى المسجد هناك وسائل الإعلام ودور الثقافة اللتان لهما دخل كبير في تبسيط المفاهيم الإسلامية والترغيب فيها. ولئن كانت إذاعتنا وتلفزتنا تقومان بدور يذكر فيشكر إلا أنه لا يزال في طفولته سواء من ناحية المحتوى أو الإخراج. أما قضية ربط الدعوة الدينية بليلة الجمعة وبيومها فليس ذلك من الإسلام في شيء إذ أن الإسلام هو دين الحياة اليومية وليس بدين يوم واحد في الأسبوع أو بشهر واحد في السنة أو بيوم واحد في العام بل يجب أن تعمد وسائل إعلامنا ودور ثقافتنا إلى الإكثار من البرامج والمحاضرات التي تدعم قوى الخير في الإنسان وليست هناك وسيلة أنجع من ميدان التربية الإسلامية ذات التأثير الوجداني الإيجابي على الإنسان عامة وعلى النشء خاصة.
ـ ضرورة المراجعة:
ثم نأتي إلى بيت القصيد إلى الميدان الذي له تأثير أكثر من غيره ألا وهو ميدان التربية والتعليم فإلى سنوات قليلة ماضية كانت التربية الإسلامية تعتبر مادة ثانوية حتى نجدها تلغى من الامتحانات القومية إلا أنه بفضل المخلصين من المربين عادات للتربية مكانتها من حيث مراجعة برامجها وضواربها أو من حيث بعث شعبة اختصاص كغيرها من العلوم الأخرى وهذا العمل يعتبر دعماً لأصالتنا وحفاظاً على انتمائنا ومقاومة لموجة التفسخ والفوضى التي عمت العالم بسبب رفض شبابه للقيم والمبادئ التي جعلت من المخلوق انساناً.
ـ إقلاعنا الحضاري:
إن الحل الذي فيه خير ديننا ودنيانا يكمن في مزيد العناية بالتربية الإسلامية من أجل ربط النشء بواقع أمته حتى يكون ملتزماً بقيمها مدافعاً عن إنجازاتها مستمداً أفكاره من تراثها الحضاري. ولن تكون هذه العناية ذات مردود طيب إلا إذا اعتنت الدولة بالهياكل المشرفة على غرس هذه المبادئ السمحة في نفوس أطفالنا وطلابنا، نسائنا ورجالنا فبالنسبة للأئمة لابد من وضعهم تحت إشراف نظر ذوي الاختصاص ممن لهم نظرة شمولية للشريعة وأحكامها ومقاصدها. وبالنسبة لميدان التعليم فلابد من تطبيق الوسائل السمعية والبصرية حتى يكون درس التربية درساً جذاباً كغيره من العلوم الصحيحة. وبالنسبة لدور الإعلام فلابد من دراسة البرامج قبل بثها ونشرها بين الناس سعياً وراء إقبال الناس عليها. وبالنسبة لدور الثقافة والنشر فلابد من مراقبة المنشورات وخاصة المستوردة منها من الشرق أو من الغرب.
بهذا العمل المخلص نستطيع أن نخلق شباباً عقائدياً متزن السلوك واقعي النظرة يعمل جاهداً من أجل رفعة أمته وتقدمها.
* المصدر : العقد الحضاري في شريعة القران

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 5:57 am


ثـقــافـة النـقــد



* أسرة البلاغ
من حيث المبدأ يحقّ لكلّ إنسان يرى عيباً أن ينتقده أو يُحدِّد موقفه منه، ولأجل أن لا نخلط بين ما هو (نقد) وبين ما هو (شتيمة) أو تشفّي أو انتقاص، كان لابدّ من إشاعة ثقافة النقد السليم، وأن نتعرّف على (شروط النقد) و(مؤهلات الناقد).
فإلى جانب (فنّ التعامل) وأدبه، والتجربة الاجتماعية الناضجة في الحديث على قدر العقول وحسب المستوى، وتقدير ردّة الفعل وحسّاسية المنقود، ودراسة ظروفه وملابساته، يُفترض أن تكون لدينا (ثقافة شرعية) لمعرفة ما هو الحلال والحرام، وما هو المعروف وما هو المنكر لننكره لكيلا نتجاوز الحدود ونشطّ عن المقصد فنعالج الخطأ بخطيئة، أو بخطأ أكبر منه أو مثله. وأن يكون لدينا الاطلاع الكافي على الشيء المنقود، ذلك أن أيّ نقص في المعلومات، أو عدم إحاطة بها بسبب مشاكل اجتماعية نحنُ في غنى عنها، وردود أفعال غير محسوبة.
ومن متطلبات هذه الثقافة اعتماد أسلوب رفيق وحكيم في النقد سواءً في (نبرة الصوت) أو في اختيار (أنسب الكلمات)، فنبرة الحبّ التي ترافق النقد تفتح مسامع القلب له، وتجنّب المؤذي الجارح من الكلمات المقرِّعة والمؤنِّبة والمنفِّرة والمستفزّة هو المقصّ الذي نقصُّ به شريط الافتتاح للدخول إلى معرض النقد. فكلمات مثل (أنت أحمق)، (أرعن)، (متهوّر)، (غبي)، (دنيء).. أو (أنت أسوأ مَن عرفت أو رأيت) وأمثالها عبارات فظّة قد تُجابَه بمثلها أو بأعنف منها.
ثقافة النقد تتطلّب احترام كرامة الانسان المنقود، فثمة علاقة قويّة بين (النقد) وبين (احترام الذات).. لا تَنسَ أنّك تتحدّث عن عيب أو نقص، والانسان حريص على كتمان عيوبه ونقائصه، واكتشافك لها يريبه فيخشاك ويتوجّس منك خيفة حتى تبدِّد توجّه بأسلوبك الوادع الرحيم الذي تشعرهُ من خلال أنّ هدفَك وغايةَ نقدك أن تراه أفضل ممّا هو عليه، وأن لا يأتيه مَن قد يُسيء إليه في نقده.
فيما يلي بعض من آليات النقد التي تدخل في صلب وجوهر الثقافة النقدية:
أوّلاً ـ من آليات النقد وأساليبه:
إذا أردنا أن نؤرِّخ للنقد، فإنّنا نرجعُ به إلى فجر الخليقة، منذ أن نهى الله تعالى أبوينا آدم وحواء عن الاقتراب من الشجرة المحرّمة والأكل منها، فارتكبا المحظور.
جاءَ النقدُ الإلهيّ بالصورة التالية: (وناداهما ربّهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إنّ الشيطانَ لكما عدوّ مبين) (الأعراف/ 22).
فالآية تشير إلى مخالفتين: الأكل من الممنوع، والاستماع إلى الممنوع، فهو نقد (إذا جاز اعتباره كذلك) يأتي بعد تعليمات مسبقة تمّت مخالفتها، أي هو تذكير بما نسياه واستنكار لذلك. والآية بعد ذلك لا تخلو من لطف ورقّة في كلمات: (ناداهما) و(ربّهما) وأداة الاستفهام (ألم) والأفعال (أقل) و(أنهكما).. انّه توبيخ ممزوج بلطف وعطف وتقدير لما يحمله الانسانُ من ضعف.. وهذا درس في أسلوب النقد النموذجيّ.
القرآنُ حافل بصور النقد لكلّ ما هو سلبيّ، فهو ينتقد (النفاق) ويعرِّيه لأنّه آفة اجتماعية، وينتقد التباهي والتفاخر والتكاثر والتظاهر بالمال والقوة والعدو، لأنّها غطرسة وتعالي ونسيان للفضل الإلهيّ، واعتبار ما ليس بقيمة قيِّمة. وينتقد التكالب الدنيويّ ويبين الحجم الحقيقي لكلّ ما هو دنيوي، بمعنى أنّه نقد مبني على أساس.. نقد مبرّر أو معلّل له أسبابهُ المُقنِعة.
وانتقد كذلك هزائم المسلمين في معركتي (أُحُد) و(حُنين) سواء في الانفضاض عن النبي(ص) أو بالاغترار بالكثرة العدديّة. وانتقد المتخلّفين عن الجهاد مع الرسول(ص). وانتقد تعجّل موسى(ع) في معرفة ما قام به الخضر(ع). وانتقد نفاد صبر يونس على أذى وجحود قومه. وانتقد نوحاً على اعتباره إبنه العاصي من أهله (أهل الإيمان).. إلى غير ذلك.
القراءة المتأنّية لهذه الصور النقدية القرآنية تفيد في أنّ النقد الإلهيّ موجّه إلى (المخالفة) بغية إعادة الموقف غير الصحيح إلى صحّته واعتماده لاحقاً.. إنّه إلفاتُ نظر للافادة من الخطأ كمعلّم.. واللافت أيضاً، أنّك لا تجد في كلّ النقود القرآنية تحطيماً للشخصية الإيمانية أو إخراج المؤمن الخاطئ من حضيرة الإيمان.. نعم، النقد القاسي الشديد اللهجة موجّه للمنافقين والكافرين والظالمين والمشركين فحسب.
لنا إذاً في النقد القرآنيّ النموذجيّ أسوة.. منه نتعلّم كيف نفرِّق بين (النقد للاصلاح) وبين النقد للذمّ والتقريع والتلويح بالعقوبة والرفض للآخر. ولو تتبعنا صيغ النقد المتداولة لرأينا أهمّها يندرجُ فيما يلي:
أ) النقد المباشر:
يخطئ انسانٌ ما فتواجهه بخطأه وجهاً لوجه بالكلمة الطيّبة والموعظة الحسنة، أو بالتوبيخ والتعنيف، وهذا هو (النقد الناطق) الذي نستخدمُ فيه اللسان كآلة أو أداة تعبير تحملُ النقد إلى الآخر، وهو نقدٌ مطلوب ومؤثّر خاصّة مع مراعاة الآداب التي ألمحت إليها، ومن ذلك نقد الله تعالى لآدم وحواء بقطع النظر عن طريقة النطق أو البذاء التي جاء بها، فالله لا يعجزه أن يخاطب عباده بالطريقة التي يراها مناسبة.
ب) النقد غير المباشر:
ويمكن أن نصطلح عليه بـ(النقد العمليّ) الذي من خلاله يمكن أن تقدّم النموذج الصالح من نفسك.. إنّه النقد الصامت الذي يلعب فيه الموقف دور المنبِّه إلى الخطأ، حتى إذا رأى المخطئ صوابك تنبّه إلى خطأه فعالجه وفقاً لما يراه من الصواب في موقفك. ومن ذلك نقد الحسنين (الحسن والحسين) الشيخَ الذي لم يُحسن الوضوء، فوجدا أنّ من الصعب أن ينتقداه وهو المُسنُّ وهما الصبيّان، فابتكرا طريقة (النقد العمليّ).. بأن قدّما نفسيهما إليه كمتحاكمين في أيّهما أصحّ وضوءاً، فلمّا رأى أنّهما يُحسنان الوضوء، اعترف صراحةً أنّه هو الذي لا يُحسنهُ، وتقبّل منهما نقدهما غير المباشر برحابة صدر ليُصلح وضوءه على ضوء ما رآه من صحّةِ وضوئهما.
ج) النقد الشامل:
ونعني به نقد كلا الوجهين: السلبيّ والايجابيّ، أو ما يمكن تسميته بـ(النقد المتوازن) الذي يُظهر العيوب والمحاسن معاً. فلقد أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية أنّ الكشف عن المعايب وحدها يُسقط الانسان في الاحباط فلا يُرجى له شفاء إلا نادراً، في حين أنّ الموازنة بين السلبيات والايجابيات يعطيه فسحة من المراجعة لتجاوز أخطائه، وزيادة رصيده من الحسنات.
من هذا اللون من النقد ما واجه به الإمام موسى بن جعفر الكاظم (صفوان الجمّال) الذي كان يُكري (يؤجِّر) جِمالَه (إبلَهُ) إلى (هارون الرشيد) معتبراً ذلك إعانةً للظلم، فابتدءه بالقول: (يا صفوان، كلُّ ما فيك حَسِن ما خلا خصلة واحدة)!
هنا يُظهر الإمام أو يقدِّم الايجابي على السلبيّ ليفتح أسارير القلب وأبوابه ونوافذ الآذان وإصغاءها لتقبّل ما يأتي لاحقاً.. فعبارة (كلُّ ما فيك حسن) تجعل المتلقي حريصاً على نفي واستبعاد أيّة خصلة ذميمة ودميمة تخلُّ بصفاء هذا الحسن ونقائه.
طريقةٌ في التمهيد للنقد فعّالة ومؤثرة.. حبذا لو جرّبناها.
د) النقد السرّي:
طبيعةُ الانسان هي هذه: إنّه يتقبّل النقد السرّيّ ويرفض النقد العلنيّ، لأنّ الأوّل تحديد وحصر للخطأ في أضيق نطاق (بين الناقد والمنقود فقط) فيما الثاني توسيع لدائرته، فبدلاً من أن يعلمه (الناقد) فقط، سيعلمه (السامع) أيضاً (بحسب سعة دائرة المستمعين) ممّا يوجد فجوة نفسيّة بين النقد وبين مَن يُوجّه إليه حتى لو كان ذاك النقدُ صحيحاً وخالياً من التجنّي.. وهذا هو خُلقْ المرآة فهي إذ ترى عيبك تخبرك به شخصياً، ولا تخبر مَن يأتي بعدك بما رأته منك.. إنّها كاتمة للأسرار ساترة للعيوب!
هذه الطبيعة الانسانية الحسّاسة تلتفت إليها المأثورات من قيمنا السلوكية، ففي الحديث: (مَن وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومَن وعظ أخاه علانية فقد شانه)، فالزينيّة في سرّيّة النقد ناتجة عن احترام مشاعر الخاطئ والشينيّة في علانيته لأنّه تشهير بالمُنتقَد، ومَن منّا يقبل الفضح والكشف والتشهير أو يفضِّله على الاحترام والرعاية والتقدير؟!
هـ) النقد العام العلنيّ غير المشخِّص:
هنا لا نسمِّي المخطئ أو المذنب أو المخالف باسمه، بل نتحدّث بلهجة عموميّة يراد منها التنبيه إلى الخطأ والدعوة إلى تصحيحه، فلا ينصبُّ التقريع أو اللوم على ذات مرتكب الخطأ الذي ربّما نعرفه وربّما لا نعرفه فهو واحد من عديدين يرتكبون المخالفة أو الخطأ، وحين يستمع أحدهم إلى النقد وهو مدرك لخطأه.. فإمّا أن يصمّ أذنه ويدفن رأسه في الرمل، وإمّا يضع نفسه في دائرة الاتهام ليقول: إنّني أنا المعنيّ بهذا النقد حتى لو لم يُشَرْ لي باصبع الاتهام.. في هذه الحالة يمكن أن يكون النقد دافعاً للتصحيح. وقد قيل: (رب تلميح أبلغ من تصريح) و(ربّ إشارة أبلغ من عبارة)!
هذا في نطاق الأخطاء التي تتحوّل إلى (ظاهرة) اجتماعية.. أمّا الأخطاء التي تمثلها حالات فردية معيّنة، فلئلا يشعر الآخرون بالتأنيب الجماعي، يُفضّل أن يُشار إلى المخطئ ويؤشَّر على الخطأ، وينتقد على أخطائه على انفراد، فقد يتصوّر بعض المخطئين أنّ النقد العام لا يعنيهم، وأنّهم غير ما يقول الناقد كتسويل شيطاني وغرور بالنفس وتبرئة لساحتها من الخطأ، لذا كان النقد السريّ المباشر لهؤلاء أصلح لهم من النقد العام الذي تغيب فيه نبرة التشخيص المحدّدة.
ثانياً ـ النقد وحريّة التعبير:
كفلت القوانين والدساتير المعاصرة حريّة التعبير ولم تضع حدّاً بينها وبين (الإساءة) فبعض ما يُطرح تحت لافتة (حريّة التعبير) هو إساءة أو بذاءة أو إهانة صريحة، حتى إذا جوبه صاحبُها بالرفض والاستنكار، ثارت ثائرة أو غيرة المدافعين عن النقد الحرّ وحريّة التعبير.
حصل هذا في (الآيات الشيطانية) لسلمان رشدي الذي أساء في روايته لشخصية النبي محمد(ص).. وحصل هذا في الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحيفة دانماركية ضد نبيّ الاسلام أيضاً، ويحصل في الإساءة إلى المقدّسات التي تعدّ خطّاً أحمر بالنسبة لأتباع الديانات المختلفة.
الإساءات سواء كانت شتائم أو سخرية ليست فكراً ولا فنّاً ولا إبداعاً، ولا مناقشة لأفكار ومفاهيم اسلامية أو غير اسلامية.. هي مهاترة وإسفاف، ولذلك فمقابلة الإساءة بإساءة مثلها إساءة بحدّ ذاته، لذلك نهى الله تعالى أن نسبّ آلهة الذين يسبّونه عدواً بغير علم.
القرآن نفسهُ كشف لنا بعضاً من الاتهامات والنقود التي تعرّض لها النبي(ص) من أنّه شاعر أو ساحر أو كاهن أو مجنون، وإنّ ما جاء به أساطير الأوّلين اكتتبها، وأنّ بشراً يعلِّمه القرآن، وردّ على هذه النقود التافهة والهشّة التي لا أساس لها من الصحّة وسفهها بمنطق عقلاني.. وهو بذلك يكفل حريّة التعبير لكنّه لا يعتبرما صدر عن حقد وحسد وجهل وعنت واستخفاف نقداً، إنّما هي ترهات ودناءات لا تصمد إزاء النقد.
حريّة التعبير اليوم للأسف شمّاعة تعلّق عليها أيّة إساءة أو تشهير أو تسقيط ولا شك أنّ الخط الفاصل بين النقد الموضوعي وبين الإساءة واسع وعريض وغير إشكالي ولا ملتبس، وإذا كانا يسكنان في شارع واحد، فهما ليسا جيراناً متلاصقين، وإنّما يقع كلٌّ على ضفة من ضفتي الشارع، والسكن في شارع واحد لا يعني انتماء الساكنين فيه إلى فصيلة أو قبيلة واحدة!
ثالثاً ـ النقدان الذاتي والموضوعيّ:
النقد (الذاتي) هو الذي ينطلق من الانسان كناقد لنفسه، وأمّا (الجماعيّ) فنعني به نقد تجربة عمل جماعية، وقد يكون النقد نقداً لـ(شخص) أو نقداً لـ(ممارسة). إضاءة كلّ نقد من هذه النقود الأربعة يعد مادة استكمالية لثقافة النقد:
أ) النقد الذاتي:
الخاطئ أو المخطئ أو الخطّاء أوّل ناقد لنفسه، هذا إذا كان واعياً مدركاً لخطأه، منتبهاً لما اقترفه ولو بعد حين، فأيّة مراجعة ذاتية هادئة قد تُعد المخطئ إلى رشده وصوابه لأنّه أدرى بالسبب وبما تسبّب به، ولعل هذا هو الذي دعا المربّي الاسلاميّ إلى التأكيد على مبدأ المحاسبة.
إليك نماذج حيّة من النقد الذاتيّ:
ـ آدم وحواء(ع) بعد إدراكهما للخطأ من الأكل من الشجرة الممنوعة: (قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين) (الأعراف/ 23).
ـ إمرأة العزيز (زليخا) بعد أن أقرّت بذنبها واعترفت بإغواء يوسف(ع)، قالت: (وما أبرِّئ نفسي إنّ النفسَ لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربّي) (يوسف/ 53).
ـ إخوة يوسف(ع) بعد إحساسهم بما ارتكبوه من أخطاء وجنايات بحقّ أخيهم البريء قالوا: (قالوا: تالله لقد آثرك اللهُ علينا وإن كنّا لخاطئين) (يوسف/ 91).
ـ (السامريّ) وهو يعلن اقترافه لخطيئة صناعة وعبادة العجل، يجري بين موسى وبينه هذا الحوار: (قال فما خطبك يا سامريّ، قال: بَصُرتُ بما لم يُبصروا به فقبضتُ قبضةً من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سوّلت لي نفسي) (طه/ 95 ـ 96).
ـ نوح(ع) بعدما طالب بنجاة ابنه العاصي وانتقده الله تعالى أن يكون من الجاهلين: (قال ربّ إنِّي أعوذُ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) (هود/ 47).
جدير بالاتفاق أنّ النماذج هنّ بين واحدةٍ (نبويّة) من الصفوة الأخيار، وأخرى (إنسانيّة) عامّة لا خصوصية لها، لا تكابر ولا تغالط، فهي حينما يتضحُ لها وجهُ الخطأ لا تُنكره أو تتنكّر له، بل تعترف وتقرّ وتتوب وتعتذر.. إنّها تعلّمنا كيف يمكن أن نتقبّل النقد بروح إيجابية فلا نُصرّولا نستكبر ولا نبرِّر ولا تأخذنا العزّة بالإثم.
ب) النقد الجماعي:
تعتمد المؤسسات المعاصرة ـ أياً كانت طبيعتها ـ منهجاً نقدياً مزدوجاً، فهي تُجري مراجعة تقويمية شاملة لمسيرتها بين الحين والآخر سنويّة أو دوريّة لتتعرّف وتتقرّى مواطن الخطأ والخلل وتتهجّى مواضع الصواب والتوفيق، فهو من جهة (نقد داخلي) لأن أهل مكّة أدرى بشعابها وصاحب الدار أدرى بالذي فيه، ومن جهة ثانية تستقبل نقوداً تأتيها ممّن يتعاملون معها أو يرصدون حركتها في الخارج، لتضيف إلى حصيلة المراجعة لأولى مراجعة ثانية، وذلك هو التكامل في المنهج النقديّ في أيّة مسيرة.
المراجعة النقديّة الجماعيّة سواء كانت داخلية أو خارجية تحقق للمؤسسة امكانية النموّ والتطوّر والاستمرار لأنّها ستكون كخلايا الجسد تتجدد على الدوام. يقول المؤرخ (توينبي): (الأُمم لا تعتلّ بل تنتحر، لأنّ النخب المسيطرة تعجز عن ابتكار حلول)! أي تفشل في ايجاد الحلول للمشاكل والأخطاء التي تعترض مسيرتها، لا لعجز في القدرة الذاتية أحياناً، بل لاهمال التقييم والتقويم، وإلا المراجعات الدورية الناقدة والجادة كفيلة بتجنيب أيّة مؤسسة حكومية أو حزبية أو خدمية أو دينية أو أي نوع آخر مخاطر الموت المفاجئ والسريع.
النقد اليوم يُرحّب به من أيّة جهة جاء لأنّه هو الذي يقوّم المسيرة ويغنيها ويصحّح عثراتها وأخطائها، ويجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات واستشراف المستقبل.
ج) نقد الأشخاص:
في مفاهيمنا الاسلامية ليس لدينا مصطلح (النقد).. هناك اصطلاح (الاصلاح) و(التسديد) و(إقالة العثرات) و(إهداء العيوب)، ممّا يعني أنّ الغاية من نقد شخص ما في أي جانب من جوانب شخصيته هو إرادة إصلاحه، فالتسديد هو التوجيه والقيادة إلى الصواب على خط الاستقامة، وإقالة العثرات الأخذ باليد لمن يقع حتى ينهض من كبوته ويواصل مسيره، وليس التفرّج أو الضحك عليه والشماتة به.. واهداء العيوب هو أسلوب الترفّق في مصارحة الآخر بعيوبه ومعاونته على اصلاحها.. وفي كلّ الأحوال نحن أمام نقد ايجابيّ هادف وموضوعيّ وبنّاء وسليم، بل ونموذجيّ أيضاً.
د) نقد الممارسات:
تدخل إلى حياتنا التي لم تعد ذات أبواب، مغاليق وأقفال عادات وتقاليد وممارسات تتعارض مع ما لدينا من قيم ومفاهيم سلوكية. بالأمس كانت حساسية المسلمين شديدة إزاء ما يسمّونه بـ(البدعة).. اليوم لم تعد الكثير من الممارسات حتى المخالفة لآدابنا بدعاً تحت شعار إنّنا نعيش في قرية كونية صغيرة، أو بدعوى الاندماج الثقافي، أو بذريعة الانفتاح الايجابي، ولسنا ضدّ الانفتاح والتعارف الانساني، بل نحن ضد أشكال الانغلاق والتحجّر، لكننا ضد ما يصدّع بيوتنا من الداخل ويزيّنها من الخارج، وضد ما يذيب شخصيتنا ويمسخها ويصادرها أو يحيلنا إلى نسخ مشوّهة لمسلمين ليس لهم من إسلامهم إلا الإسم.
إنّ غياب أو انحسار النقد للممارسات الدخيلة والمخالفة لأعرافنا وشريعتنا وقيمنا، جعلنا خاضعين للأمر الواقع الذي يأتي هجيناً ومستهجناً ثمّ لا يلبث في ظل انعدام النقد أن يتحوّل إلى أمر واقع تُتهَم بالتخلّف والرجوعية إذا واجهته بالنقد، ويقال لمن يحتجون أو يتظاهرون ضدّه: أخرجوهم من قريتكم إنّهم أُناسٌ يتطهّرون!
الممارسات المخالفة لقيمنا هي نتيجة (أفكار) و(شعارات) و(مفاهيم) تسوّق وتنمّق وتزوّق، وحتى يكون النقد موضوعياً، يجب أن يتجه للأفكار والشعارات والمفاهيم التي أنجبت وسوّقت وروّجت.. لابدّ من نقد (العقل) و(الذهنية) قبل نقد الممارسة!

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 5:57 am



ثمرة الصبر


للدكتور علي حسن عبد القادر

الأمم تقوم قوية ثابتة الأركان بعد أن تمر بضروب مختلفة من البأساء والضراء تثقف من نفسها أو تعرك من مرونتها وتنفي من خبثها وضعفها، حتى إذا مرّت بهذا الابتلاء صابرة وتحملت هذا الإمتحان في غير ضعف أو وهن، بُعثت أمة قوية لا تكسر لها شوكة ولا تلين لها قناة، وكتب الله لها الحياة والبقاء،قال تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين).
ومن المعروف أن الأمم القوية هي الأمم التي تحملت وتحمل أفرادها فنوناً من الكفاح والمغالبة في الحياة، وخلصت من ذلك بعد صبر طويل وجهد شاق إلى دور من قوة الإحتمال ووحدة الشخصية في أجيالها المتتابعة.
كان هذا شأن الأمة الإسلامية في قيامها، وكان هذا شأن النبي وأصحابه في بعثها والنهوض بها، وكان هذا شأن الإسلام في تعاليمه التي أرشد بها المسلمين وهداهم إلى التمسك بها والسير على نهجها حتى أصبحت الأمة الإسلامية أمة قوية وكتب الله لها الغلبة والنصر على أمم أخرى. أكثر عدداً وأوفر مالاً وعددا. كانت أهم المميزات التي ساعدت على هذا كله هو ما طبع عليه المسلمون أفراداً وجماعات من عزيمة الصبر وقوة التحمل التي جعلت من هؤلاء الصابرين صخوراً صلداء وجبالاً ثابتة قوية لا تزول ولا ينال أحد منها منالاً.
ولقد كان من حكمة الله تعالى ان اختار لرسالته رسولاً واصحابا للاضطلاع بهذه الدعوة الإنسانية بعد أن تمرسوا بالصبر وتحمل المشاق وقويت عزيمتهم وارادتهم في بلد تقسو فيه الحياة ويصعب فيه العيش الرغيد وتجفو فيه سبل الراحة والحياة الوادعة، فلم تثقل نفوسهم متع الدنيا ولم تتسع عليهم أسبابها الرخيصة فتشغلهم عن أهدافهم الكبرى أو تضعف من مضيّهم في الاضطلاع بغاياتهم النبيلة.
وقد ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له يقول تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) وقال تعالى (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) وهكذا قرن الله الإمامة والقيادة لأمر الناس بالصبر وأنه تعالى أقامهم أئمة لما صبروا، مما يدل على أن هذه الطبقة إنما تكون من صنف خاص من الناس وهم الصابرون الذين مارسوا الصبر وتربت نفوسهم على التحمل وضبط النفس وعدم الجزع عند المحن أو الهلع عند الأزمات، وكل هذا من فنون الصبر لمن مارسه في نفسه حتى راض من ارادته وملك عنانها وهؤلاء هم الأقوياء الذين يختارهم الله أئمة يهدون بأمره وأولئك يؤتون أجرهم مرتين مرة في الدنيا بإخضاعهم لها ومرة في الدار الآخرة كما وعدهم الله بذلك (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا). وقد جمع الله للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين.
ولما كان الصبر بهذه المثابة وكانت غايته في تقوية الفرد والمجتمع بهذه الدرجة، رتب الله تعالى على الناس وظائف من العبادات تتمثل فيها هذه الخصلة من التدريب البدني والنفسي، فرتب عليهم عبادة الصوم مثلاً بما فيها من مشقة الإمتناع وكف النفس عما تطلبه والصبر عن الطعام والشراب حتى تتريض وتتدرب على الكفاف والمنع، وكذلك عبادة الحجم وما فيها من مشقة السفر وتحمل رسوم الاحرام وهي نوع من ممارسة الصبر والتحمل في أوقات الرخاء والسلم وإعداد للأمة والأفراد في أوقات الشدة والجهاد.
وخصلة الصبر هي عنوان المؤمن الكامل التي يواجه بها الحياة في ثقة وطمأنينة ويقين بالله كما فعل ذلك الرسول في قوله (مثل المؤمن كمثل القطعة من الذهب ينفخ عليها صاحبها لم تتغير ولم تنقص، والذي نفسي بيده إن مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيباً ووضعت طيباً لم تكسر ولم تفسد، ومثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيؤها الرياح تعدلها مرة وتقيمها أخرى).
وهناك المخلصون الذين كبرت نفوسهم وخلصت قلوبهم فاجتازوا مرحلة الصبر إلى مقام الرضا بالله وهؤلاء هم الذين يصبرون عند البلاء ويشكرون عند الرخاء ويرضون بمواقع القضاء. وفي وصية الرسول لابن عباس يقول: "فإذا أردت أن تعمل بالرضا فأعمل وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما نكره خيراً كثيراً واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً".
-------------------------------
المصدر : القرآن/ نظرة عصرية جديدة

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 5:58 am



دروس تربوية من خلال وصايا لقمان الحكيم



د. علي محيي الدين القره داغي

يتضمن القرآن الكريم مجموعة من الحوارات الراقية بين الآباء والأولاد، وبين الأولاد والآباء، تحمل في طياتها حكماً عظيمة وأساليب مؤثرة في تربية الأولاد تربية صحيحة متوازنة، ومن هذه الحوارات والوصايا: وصايا لقمان الحكيم لابنه حيث تتضمن الوسائل الصحيحة المؤثرة المفيدة في تربية الأولاد التي نحاول عرضها في هذه المقالة بصورة موجزة حيث يقول الله تعالى: «ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني حميد، وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا، واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون، يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتي بها الله إن الله لطيف خبير، يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير» من سورة لقمان: الآية 12 ـ 19.
أولاً: ان الله تعالى أراد أن يبين أنه قد أعطى الحكمة للقمان، ومن هنا فكل ما يقوله في هذا الصدد حكمة ولذلك سجل الله تعالى تلك الوصايا وخلدها في القرآن الكريم، فالحكمة هي العقل والفطنة والعلم مع الاصابة في القول، وقال بعض العلماء: هي وضع الشيء المناسب في المكان المناسب، ولا يختلف هذا التفسير عن التفسير السابق، فالحكمة هي العلوم النافعة، والتجارب الناجحة التي ترتب عليها الخير الكثير للإنسانية. ولقمان كما في كتب التفاسير هو لقمان بن ياعور ابن اخت ايوب، أو ابن خالته، كان من سودان مصر من النوبة، وعاش، حتى أدرك نبي الله داود فأخذ منه العلم وآتاه الله الحكمة، ولم يكن نبياً عند الجمهور وقال ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً كثير التفكير، وحسن اليقين، أحب الله فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة، وخيره في ان يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعاً وطاعة فإنك ستعصمني)، واخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه، قال، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (إن لقمان كان عبداً كثير التفكر، حسن الظن، كثير الصمت، أحب الله فأحبه الله تعالى، فمن عليه بالحكمة. نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام، فقيل له يا لقمان، هل لك ان يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟ قال لقمان: إن أجبرني ربي عزَّ وجل قبلت، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني وعلمني وعصمني، وإن خيرني ربي قبلت العافية ولا أسأل البلاء، فقالت الملائكة: يا لقمان لِمَ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه الظلم من كل مكان، فيخذل أو يعان، فإن أصاب فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً ضائعاً، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فغط بالحكمة غطا، فانتبه فتكلم بها)، وكان لقمان قاضيا في بني إسرائيل، نوبيا أسود مشقق الرجلين ذا مشافر، قاله سعيد ابن المسيب، ومجاهد، وابن عباس، وقال له رجل كان قد رعى معه الغنم: ما بلغك يا لقمان ما أرى؟ قال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني، وقال ابن المسيب: كان من سودان مصر، من النوبة، وقال خالد بن الربيع: كان نجاراً، وقيل: كان خياطاً، وقيل: كان راعياً. وحكم لقمان كثيرة مأثورة، قيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إذا رآه الناس مسيئاً. (تفسير ابن عطية 489 ـ 490/11).
والحكمة في أن الله تعالى قال قبل ذكر سرد الوصايا: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) هي بيان أن هذه الوصايا مزكاة من قبل الله تعالى وأنها ترجع إلى مشكاة نور الله تعالى. ويستفاد من هذه الآية من الجانب التربوي ما يأتي:
أ ـ ضرورة التعريف بالمربي قبل أن يبدأ بالتربية، وأن يكون مزكى حتى تكون التربية مؤثرة، وحتى يكون المتربون على علم بمرتبة مربيهم ومعلمهم، لأن لذلك دوراً نفسياً كبيراً في نفوسهم.
ب ـ ضرورة اختيار الشخص المزكى للتربية، وليس أي شخص، فالمهمة صعبة وخطيرة وكبيرة، وهنا تلقى مسؤولية عظيمة على الآباء وأولياء الأمور ولجان وزارات التربية في اختيار المربين والمعلمين حيث يتحملون مسؤولية عظيمة أمام الله تعالى وأمام هؤلاء الأطفال والتلاميذ إذا لم يبذلوا جهوداً عظيمة للاختيار والانتقاء، بل لا ينبغي لهم الاختيار إلا بعد البحث والتزكية من قبل الثقات.
ج ـ ضرورة تعظيم المربي في نفوس المتربين، والنظرة إليهم نظرة تقدير واحترام من خلال تقديمه من قبل الوالد، أو ولي الأمر، أو مسؤولي وزارة التربية والتعليم، وذلك بأن يقدم المربي إلى المتربين بشكل يستشعر فيه المتربون والمتعلمون بأن مربيهم له مكانة عظيمة وأنه كذا وكذا.
وهذه النظرة من المتربي أو المتعلم إلى المربي لها دور كبير في قبول وصاياه وتقبل نصائحه، واحترام أقواله وآرائه، وهي تقتضي أن تعطي للمربين والمدرسين والمعلمين مكانة لائقة بهم أدبياً ومعنوياً ومادياً، وأن لا ينظر الى الجانب الاقتصادي في اختيار المربين بحيث لا تكون النظرة قاصرة على التوفير، بل ينظر إلى أن المربي أو المعلم الذي أعطيت له مكانته اللائقة يكون له التأثير على المتربين أكثر من غيره.
ثانياً: قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه) يدل على ضرورة أن يجلس الأب مع ابنه دائماً أو كثيراً للوعظ والتوجيه والتربية، ذلك أن جملة «وهو يعظه» جملة اسمية تدل على الثبوت والدوام والاستقرار وهي جملة حالية عن «لقمان» الوالد.
ومن جانب آخر ان الطريق إلى التربية والتوجيه والتقويم يمر عبر الوعظ ووسائله المشوقة ووسائل الترغيب، والحكمة، والثواب والعقاب. والتعبير القرآني يدل على اعطاء أولوية كبيرة للجلوس مع الأولاد ذكوراً وإناثاً للوعظ والنصح والتربية، فهي مهمة ليست سهلة، وهي تستحق كل العناية والاهتمام، لأنها تتعلق ببناء الإنسان، وبناء الجيل القادم، وبناء القيادة للأمة.
ثالثاً: قوله تعالى حكاية عن لقمان: (... يا بني) يدل أنه على المربي أن يختار الألفاظ المحببة والمشوقة لدى المتربي، وأن يشعره بأنه يحبه، وأنه لا ينصحه إلا من باب حبه الكثير، وأنه حتى لو تشدد معه فهو كالطبيب المعالج الذي تقتضي مصلحة مريضه أن يقوم باللازم، حيث استعمل القرآن الكريم في البداية لفظ (يا بني) الذي كما يقول العلماء يدل على نداء المحبة والإشفاق وأن تصغير بني للتحبب ولبيان زيادة الحب والعطف. ومن هنا فعلى المربين والمعلمين حتى ولو كانوا آباء للمتربين أن لا يستعملوا الألفاظ الجارحة، أو حتى الألفاظ العادية، بل يتفننوا في استعمال الكلمات الجميلة الراقية التي تدل على الاحترام والمحبة والإشفاق.
رابعاً: استعمال الأشياء المفهومة للأولاد، والألفاظ الواضحة، وبعبارة اخرى أن يكون خطابهم باللغة التي يفهمونها هم وليس بلغة الكبار، وهذا ما فعله سيدنا لقمان في وعظه لابنه حينما تحدث عن الأصوات المرتفعة الكريهة شبهها بأصوات الحمير، وذلك لأن أصوات الحمير مفهومة جداً للأطفال وكريهة كذلك ومزعجة، فاستعمل وسيلة التقبيح المفهومة لديهم، وكذلك حينما نصحه بأن لا يشرك بالله تعالى ذكر بأن الشرك لظلم عظيم، والظلم مفهوم بالفطرة ومستقبح لدى الجميع، ثم بين بأن الشرك ليس ظلماً عادياً بل هو ظلم عظيم، وذلك لأن الظلم اعتداء على الحقوق، وتجاوز عن الحدود، وصرف الحق عن أهله، وأن الشرك هو اعتداء على حق الخالق، ومساواة ظالمة بين المخلوق والخالق، وإعطاء حق العبادة للشريك الذي لا يستحقها، واخضاع للنفس الإنسانية المكرمة لعبادة الخسيس، بدل الخضوع لخالقها وباريها.
خامساً: عدم الاكتفاء بسرد الأشياء المجردة عن أدلتها وحكمها وأسبابها، وعن التعليل والبيان حيث لم يكتف لقمان الحكيم بمجرد النهي، بل بين السبب وأوضح العلة وشرح الحكمة فقال: (لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) وقال أيضاً: (يا بني اقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) ثم علل ذلك بقوله: (إن ذلك من عزم الأمور) وقال أيضاً: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً) ثم بين السبب بقوله (إن الله لا يحب كل مختال فخور) وقال: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) ثم علل ذلك بقوله (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير).
وهذا منهج تربوي رصين قوي يدل على أنه يعطي القيمة لعقول الأولاد والمتربين والتلاميذ حيث لا يفرض عليهم المعلومات، بل تشرح لهم مع أسبابها وحكمها، فيكون ذلك أدعى للقبول.
سادساً: البحث الجاد عن وسائل الإقناع: ويدل ما ذكرناه في البند الخامس على أن سيدنا لقمان الحكيم استعمل وسائل الإقناع بشكل واضح حيث لم ينه عن الشرك، لأنه شرك، بل أوضح ما يقنع ابنه بأن الشرك أمر قبيح مكروه غير مقبول، لأنه ظلم عظيم، والفطرة السليمة تأبى الظلم والضيم، وكذلك نهاه عن التكبر، ثم استعمل وسيلة الإقناع من خلال أن الله تعالى لا يحب كل مختال فخور، بل إن كل إنسان عاقل لا يحب المختالين، وكذلك حينما نهاه عن القصد والتوسط في المشي والصوت، استعمل وسيلة مقنعة واضحة وهي أن أنكر الأصوات لصوت الحمير.
وقصدي من ذلك ان استعمال وسائل الاقناع ضروري للمربين والمعلمين، وان هذه الوسائل ليست محصورة فيما ذكر، بل هي متنوعة تشمل الوسائل العقلية، والعاطفية والمادية، وكل الوسائل المعاصرة ولكن مع ملاحظة عقول هؤلاء المتربين.
سابعا: ان يتدخل من يطاع ويسمع له في شأن التعلم وذلك بأن تتدخل الدولة بالتوجيهات السديدة لصالح التعليم والتربية، وهذا ما يفهم من الآيتين (14، 15) اللتين اصبحتا فاصلتين بين نصائح لقمان وهما قوله تعالى (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين ان اشكر لي ولوالديك الي المصير، وان جاهداك على ان تُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا، واتبع سبيل من اناب الي ثم اليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) حيث أمر الله تعالى الأولاد بالتزام أوامر ونواهي الوالدين في غير المعصية.
ثامنا: التربية عن طريق السؤال والجواب، وانتهاز فرصة حاجة المتربي لذلك، حيث ورد ان ابن لقمان سأل أباه حينما رأى البحر المتلاطم الأمواج فقال: يا أبتاه: لو وقعت حبة في هذا البحر أيعلمها الله تعالى؟ فأجاب لقمان بقوله (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) فأجاب إجابة دقيقة فذكر بدل الحبة مثقال حبة من خردل وهي غاية في المبالغة في الصغر، كما ذكر بما يدل عليه بطريق أولى فقال: (يأت بها الله) أي قادر على ان يأتي بها.
ومن الطبيعي جدا اسئلة الاولاد الكثيرة فلا ينبغي للمربي ان ينزعج منها بل يستفيد منها، ويبني عليها، ومن الجانب النفسي فإن الاطفال يملون من العرض والالقاء فلا بد إذن من ايصال المعلومات عن طريق الاسئلة والأجوبة وغيرها من وسائل التشويق.
تاسعا: التربية عن طريق قاعدتي الثواب والعقاب والتخويف، والترغيب والترهيب، حيث تضمنت الوصايا الأجزية على تلك الافعال، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب وجنة ونار، ومن محبة للناس أو بغضهم أو نحو ذلك، حيث وصف الالتزام بالقيم الاخلاقية والعبادات فإنها من مكارم الاخلاق وعزائم أهل العزم.
عاشرا: ضرورة الاتيان بالبدائل عند النهي عن اي شيء، حيث بعدما نهى لقمان عن الخلق الذميم من التكبر ونحوه رسم له الخلق الكريم فقال (واقصد في مشيك) بعدما قال (ولا تمش في الأرض مرحا) فعلى المربين ان يوجدوا البدائل المقبولة لكل المنهيات المستهجنة، ومن فضل الله تعالى ان ديننا يقوم على ذلك.
أحد عشر: ان الوعظ الذي يقدمه الوالد، أو المربي ينبغي ان يكون شاملا لجميع ما يحتاج اليه المتربي من خلال خطة زمنية ومن خلال فقه الأوليات، ولذلك شملت وصايا لقمان لابنه الجانب العقدي، والجانب الاخلاقي، والجانب العملي، كما انها راعت فقه الاوليات حيث بدأ الحديث والتركيز على العقيدة الصحيحة، وعلى زرع التقوى والخوف من الله في قلوب المتربين، ثم التركيز على أداء الصلاة واقامتها، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر، ثم التركيز على الجوانب الاخلاقية القولية والسلوكية، يقول الامام الرازي في تفسيره (25/150): والذي يظهره وجوده الأول هو أن الانسان لما كان شريفا تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرا فأقدر الله الانسان على تحصيلها بالمشي فإن عجز فبإبلاغ كلامه اليه، والثاني: هو ان الإنسان له ثلاثة اشياء عمل بالجوارح تشاركه فيه الحيوانات، فإنه حركة وسكون، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره، وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه الا لله، وقد أشار اليه بقوله (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) اي أصلح ضميرك فإن الله خبير، بقي الأمران فقال (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) اشارة الى التوسط في الافعال والاقوال، الثالث: هو ان لقمان اراد ارشاد ابنه الى السداد في الأوصاف الانسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه، فقوله (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) اشارة الى المكارم المختصة بالإنسان دون الملك، فإن الملك لا يأمر مالكا آخر بشيء ولا ينهاه، وقوله (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا) إشارة الى المكارم التي هي صفة الملائكة من عدم التكبر، وقوله (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) اشارة الى المكارم التي هي صفة الحيوان، ولكن الإنسان يهذب هذه الصفات.
اثنا عشر: بدأ لقمان الحكيم وصيته لابنه بقوله: (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) والسبب في البدء بهذا يعود الى ان أول واجب على الوالد، وولي الأمر هو غرس العقيدة الصحيحة، فهي الأساس لبناء إيمان الشخص وتصوراته وأفكاره، ثم إن لقمان الحكيم بدأ بالنهي عن الشرك ولم يبدأ معه بالأمر بالإيمان بالله تعالى وذلك لأن الإيمان بالله تعالى متحقق لدى الأطفال بحكم الفطرة، ولكن المشكلة هي تحقيق توحيد الألوهية وهذا هو الذي ضل فيه كثير من الناس، وأما توحيد الربوبية واثبات الخلق لله تعالى فهو محل اتفاق اكثر العالمين على مرّ التاريخ، وإنما ضل الناس بسبب الشرك لله تعالى سواء كان من الشرك الأكبر أم الأصغر قال تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) سورة يوسف الآية (106) ولذلك ركز عليه لقمان.
ثلاثة عشر: التأكيد على غرس المحبة والشوق، والترغيب والترهيب، والخوف من الله تعالى في قلوب المتربين واستشعار رقابته على الإنسان وعلمه بكل الخفايا مهما خفيت فلا تخفى على الله تعالى فقال (يا بني إنها) أي الخطايا والذنوب، بل خصال الشر والخير والأعمال كلها (إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) وهذا مثال مادي مفهوم ضرب به حتى يثبت في قلب ابنه ان الذنوب مهما صغرت ومهما حاول صاحبها اخفاءها بكل الوسائل الممكنة فإنها لا تخفى على الله تعالى، وحينئذ كن يا بني على علم بأن الله يعلم كل تصرفاتك ويرى كل حركاتك وسكناتك ويأتي بكل ذنوبك لتشهد عليك في يوم لا ينفع مال ولا بنون، وكذلك يأتي بكل أعمالك الصالحة فتشفع لك فتكون من الفائزين في ذلك اليوم العظيم، وقد روي ان ابن لقمان سأل اباه عن الحبة تقع في مثل البحر، أيعلمها الله؟ فأجابه لقمان بهذا الكلام السابق.
أربعة عشر: تعليم الأطفال والمتربين العبادات الاساسية والتأكيد على ادائها، وبالأخص على اقامة الصلاة، حيث يجسد ذلك ربطهم بالله تعالى وحمايتهم من الانحراف.
خمسة عشر: تعويدهم في سن مبكرة على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر تترتب عليه عدة نتائج في غاية من الأهمية منها:
1 ـ الانطلاق من التعلم الى التعليم للغير.
2 ـ القدرة على المواجهة حيث يدرب المتربي وهو صغير على ان لا يكون سلبيا بل يكون ايجابيا يجهر بدعوته ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
3 ـ البدء بإكمال الآخرين بعد البدء بإكمال ما عليه من الواجبات، فهذه وظيفة الانبياء والمصلحين.
4 ـ بناء الشخصية القوية القادرة على البيان والافصاح عما تريد، فمن الطبيعي ان يكون الشخص الذي يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ان تكون له القدرة الادبية، والفصاحة والبيان، أو يعود نفسه على ذلك، كما ان ممارسة ذلك تؤدي الى تحقيق هذا الهدف المنشود، والقدرة على مواجهة الاحداث والرجال.
ستة عشر: وصية لقمان لابنه (واصبر على ما اصابك) تدل على ضرورة تعويد الاولاد والمتربين على تحمل المشاق والمشاكل والمصائب والصبر على النوائب، وعلى كل ما يصيب الانسان بسبب الالتزام بدينه وفي ذلك بناء للشخصية القوية الجلدة التي تستطيع ان تبني، وان تتحمل النتائج، كما ان فيه دعوة لعدم تعويدهم على الترف والدلال الذي يقتل فيهم روح القوة والبناء (اخشوشنوا فإن الترف يزيل النعم) كما قال عمر رضي الله عنه.
سبعة عشر: العناية القصوى بغرس القيم والاخلاق وبالاخص قيم السلوك وفن التعامل مع الناس من التواضع وعدم التكبر، والتوسط في الأصوات والمشي، فقال (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) حيث تتضمن عدة نصائح:
1 ـ (ولا تصعر خدك للناس)، والصعر: الميل، والمعنى: ولا تمل خدك للناس كبرا عليهم واعجابا، واحتقارا لهم، قال الشاعر:
وكنا اذا الجبار صعر خده أقمنا له من ميله فتقوم والصعر في الاصل داء يصيب الإبل في رؤوسها حتى يلف اعناقها ويلوي رؤوسها فيسقط بعد ذلك.
وعلى ضوء ذلك خصص لقمان وصيتين من وصاياه للنهي عن الكبر، وفي ذلك دلالة عظيمة على خطورة الكبر من حيث الجانب الديني الذي وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة تدل على عظم ذنوب المتكبرين وسوء عاقبتهم وحرمانهم من الجنة، وكذلك للكبر دور سلبي خطير في التعلم، فالمتكبر لا يتعلم، حيث يمنعه كبره عن العلم اضافة الى ان الله تعالى لا يهدي نور العلم للمتكبرين المتجبرين، واذا اعطاهم فإنه استدراج، وعلم غير مبارك.
* استاذ ورئيس قسم الفقه والأصول ـ جامعة قطر
---------------------------------------
* المصدر: الشرق الاوسط 30 اب2003

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 5:59 am



ذكر الله وشكره


محمد محمد المدني

يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
(فاذكروني أذكركم، واش
كروا
لي ولا تكفرون).
وهذه آية موجزة تشتمل على ثلاثة توجيهات عظيمة لو جعلها المؤمن نبراساً له في حياته لأضاءت له السبيل فسلكه آمناً مطمئناً دون أن يتعثر فيه:
فأول هذه التوجيهات قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم) وذكر الله تعالى على نوعين: أحدهما ذكره باللسان فقط، بينما القلب غافل عنه، والأعمال خارجة عن حدوده التي حدها، وقوانينه التي شرعها، وهذا ذكرٌ لا فائدة فيه، ولا ثواب عليه، وإنما هو وبال على صاحبه، من حيث أنه يقول ما لا يفعل ويتظاهر بأنه تقيٌ صالح ليجعل بذلك شعاراً على أعماله الفاسدة، فيدخل في نطاق قوله تعالى(كَبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) والنوع الثاني ذكر الله بالقلب، أي أن يتمثل المرء عظمة الله تعالى _وجلاله فيطيعه ولا يخالف أمره، فإذا ترطّب اللسان مع ذلك الشعور القلبي بالذكر والتسبيح فذلك هو الذكر الحق، أو هو الصورة المثلى للذكر الحق، ومن شأن صاحبه أن يستجيب لله تعالى في كل موقف، وأن يسأل نفسه: ماذا عليَّ أن أفعل وماذا عليًّ أن أترك لأكون مطيعاً لله، ذاكراً له، وبذلك يؤدي واجبه نحو الله، ونحو الناس، ونحو الوطن، ويكف عن مواقف الإثم والعصيان والتفريط، مستحييا من الله حق الحياء أن _يفقده حيث أمره، أو يراه حيث نهاه.
وقد أنبأتنا الآية أن الذي يذكر الله يذكره الله، ومعنى ذكر الله للعبد هو شموله برحمته ومعونته وتيسيره وتوفيقه، فإن العبد فقير إلى ذلك مهما كانت قوته، ومهما كان ذكاؤه واستعداده، ومهما كان اجتهاده، بل ربما اجتهد الإنسان بفعل ما يضره وهو لا يدري.
وهكذا يكون الذكر الحق لله تعالى حصناً وأماناً لصاحبه كما وعد جلّ شأنه.
التوجيه الثاني: قوله تعالى (واشكروا لي).
|وحقيقة الشكر: الثناء على المحسن بما أولى من المعروف، وليس هو أيضاً مجرد قول يلاك باللسان، وإنما هو مقابلة الإحسان بالإحسان|، ولما كان الله تعالى هو المحسن على الإطلاق، وهو المنعم على عباده بجميع النعم فإنه يستحق شكرهم بمقتضى إحسانه وإنعامه، لكنه مع هذا الإستحقاق قضى _رحمة منه بعباده وتفضلاً عليهم _ إنهم إذا شكروه شكرهم، وفي آية كريمة أخرى يقول جلاله: (لئن شكرتم لأزيدنكم) فطلب الله تعالى لشكره إنما هو لفت للأنظار إلى نعمه، وفتح لأبواب من كرمه الإلهي لعباده (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه).
وفي القرآن الكريم ما يدل على أن شكر الله إنما يتحقق بالعمل لا بمجرد القول، فالله تعالى يقول (إعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور) فأمر بأن يكون شكرهم لله عملاً، فكل نعمة أنعم الله بها على الإنسان تستحق شكراً عملياً عليها فنعمة المال تقتضي الجود به في مواطن الجود والإحسان، ونعمة الصحة تقتضي بذل الطاقة والقوة فيما ينفع الناس، ونعمة الحياة كذلك، ونعمة العلم كذلك، ومن ضن بشكر النعمة أو عصى الله بها فهو متعرض لأن يجرده الله منهما.
أما التوجيه الثالث في هذه الآية، فهو قوله تعالى (ولا تكفرون) وهو نهي للناس عن أن يكفروا بالله، أي يكفروا نعمة ويستروها ويكذبوا بها، ومن كُفر النعمة أن تجحد فضل أصحاب الفضل عليك؛ فإن رسول الله (ص) يقول: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" وفي هذا توجيه إلى أدب بمال من آداب الإجتماع.
------------------------------
المصدر : القرآن _ نظرة عصرية جديدة

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:00 am



صفات المربي الناجح



محمد نور عبد الحفيظ سويد

|هناك صفات أساسية، كلما اقتربت منها المربي كانت له عَوْناً في العملية التربوية،| والكمال البشري هو للرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ولكن الإنسان يسعى بكل جهده وبقدر المستطاع، يراقب فيها نفسه بنفسه، وذلك للتوصل إلى الأخلاق الطيبة والصفات الحميدة؛ وخاصة أنه في مركز القدوة التربوية، فينظر إليه جيل جديد على أنه مربيه وموجهه؛ وإليك أهم الصفات التي يسعى إليها المربي ـ وفقني الله وإياك إليهاـ:
1- الحلم والأناة: أخرج مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: "قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأشج عبد القيس: أن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
وهذه قصة لطيفة، تبين أهمية الحلم والأناة في بناء أخلاق الجيل الجديد: قال عبد الله بن طاهر: كنت عن المأمون يوماً، فنادى بالخادم: يا غلام فلم يجبه أحد؛ ثم نادى ثانياً وصاح: يا غلام! فدخل غلام تركي وهو يقول: أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب؟ كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام! إلى كم يا غلام؟ فنكس المأمون رأسه طويلاً، فما شككت في أن يأمرني بضرب عنقه؛ ثم نظر إلي فقال: يا عبد الله! إن الرجل إذا حسَّن أخلاقه ساءت أخلاق خدمة؛ وأنا لا نستطيع أن نسئ أخلاقنا، لنحسَّن أخلاق خدمنا.
2- الرفق والبعد عن العنف: أخرج مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه".
وعنها أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "أن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" متفق عليه.
وعنها أيضاً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه" رواه مسلم.
وأخرج مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "من يحرم الرفق يحرم الخير كله". وروى احمد عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: يا عائشة! ارفقي فان الله إذا أراد بأهل بيت خيرا دلهم على الرفق". وفي رواية "إذ أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق".
عن أبي هريرة. رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العشاء، فكان يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعاً رفيقاً، فإذا عاد عادا، فلما صلى جعل واحداً هاهنا وواحداً هاهنا، فجئته، فقلت يا رسول الله: ألا أذهب بهما إلى أمهما؟ قال: لا، فبرقت برقة فقال: الحقا بأمكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا".
رواه الحاكم في مستدر 3/167 وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الذهبي صحيح.
وإليك. عزيزي القارئ هذه القصة البديعة في موعظتها، لنرى تعامل السلف الصالح: روى أن غلاماً لزين العابدين كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من خزف، فوقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر، وجرحت رجله؛ فقال الغلام على الفور: يا سيدي يقول الله تعالى "والكاظمين الغيظ"، فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظي؛ ويقول "والعافين عن الناس"، فقال: لقد عفوت عنك؛ ويقول: "والله يحب المحسنين" فقال زين العابدين: أنت حرّ لوجه الله(1).
3- القلب الرحيم: عن أبي سليمان مالك بن الحويرث ـ رضي الله عنه ـ قال: أتينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن شبَبَهُ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلية) وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحيماً رفيقاً، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا؛ فسألنا عمن تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال: أرجعوا إلى أهلكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم وبروهم، وَصَلّوا كذا في حين كذا وصلوا كذا في حين كذا؛ فإذا حضرت الصلاة فليؤذن فيكم أحدكم وليؤكم أكبركم. متفق عليه.
وروى البزار عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن لكل شجرة ثمرة، وثمرة القلب الولد، أن الله لا يرحم من لا يرحم ولده؛ والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم. قلنا يا رسول الله! كلنا يرحم، قال: ليس رحمته أن يرحم أحدكم صاحبه، وإنما الرحمة أن يرحم الناس".
4- أخذ أيسر الأمرين ما لم يكن إثما: عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "ما خُيّر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه؛ وما انتقم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنفسه من شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله؛ فينتقم لله تعالى" متفق عليه.
5- الليونة والمرونة: وهنا يجدر بنا فهم الليونة بمعناها الواسع، وهي: قدرة فهم الآخرين بشكل متكامل لا بمنظار ضيق؛ وليس معناها الضعف والهوان، وإنما التيسير الذي أباحه الشرع.
فعن أبن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار؟ تحرم على كل قريب هينّ لينّ سهل. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
6- الابتعاد عن الغضب: أنّ الغضب والعصبية الجنونية من الصفات السلبية في العملية التربوية؛ بل كذلك من الناحية الاجتماعية، فإذا ملك الإنسان غضبه، وكظم غيظه، كان ذلك فلاحا له ولا ولاده؛ والعكس بالعكس. وقد حذر منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل الذي سأله وصية خاصة له، فكان جوابه في الثلاث المرات: "لا تغضب" كذلك اعتبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ الشجاعة هي القدرة على عدم الغضب؛ فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. متفق عليه.
ومما يروى أن زين العابدين بن الحسن ـ رضي الله عنهما ـ استدعى عن غلاماً له، وناداه مرتين فلم يجبه، فقال له زين العابدين: أما سمعت ندائي؟ فقال: بلى قد سمعته، قال: فما حملك على ترك إجابتي؟ قال أمنتُ منك، وعرفتُ طهارة أخلاقك فتكاسلتُ، فقال: الحمد لله الذي أمن مني غلامي.
7- الاعتدال والتوسط: إن التطرف صفة ذميمة في كل الأمور؛ لهذا نجد أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب الاعتدال في عمود الدين، فما بالك في باقي الأمور الحياتية الأخرى، والتي أهمها العملية التربوية؟
فعن أبي مسعود عقبة بن عمر البدري ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا، فما رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضب في موعظة قط أشدّ مما غضب يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إن منكم مُنفرين، فأيكم أمّ الناس فليوجز، فأن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة". متفق عليه.
8- التخول بالموعظة الحسنة: إن كثرة الكلام في كثير من الأحيان لا تؤتي أكلها؛ في حين نجد أن التخول بالموعظة الحسنة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؛ لذلك نصح الإمام أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ تلاميذه بقوله: "لا تحدث فقهك من لا يشتهيه". كما أن الصحابة أدركوا هذا من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ"فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يذكرنا في كل خميس مرة؛ فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك ذكرتنا كلّ يوم. فقال: أما أنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتخولنا "أي يتعهدنا" بها مخافة السامة علينا". متفق عليه.
----------------------------
المصدر : منهج التربية النبوية للطفل

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:00 am



صلاح النفوس وإصلاحها


عبدالحميد بن باديس الصنهاجي

ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً الإسراء/ 25.
- الشرح والمعنى:
صلاح الشيء: هو كونه على حالة اعتدال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال.
وفساد الشيء هو كونه على حالة اختلال في ذاته أو صفاته، بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على وجه النقصان.
اعتبر هذا في البدن، فإن له حالتين: حالة صحة، وحالة مرض.
والأولى هي حالة صحته باعتدال مزاجه، فتقوم أعضاؤه بوظائفها وينهض هو بأعماله.
والثانية هي حالة فساده باختلال مزاجه، فتتعطل أعضاؤه أو تضعف كلها أو بعضها عن القيام بوظائفه، ويقعد هو أو يثقل عن أماله.
هذا الذي تجده في البدن هو نفسه تجده في النفس: فلها صحة، ولها مرض، حالة صلاح وحالة فساد.
(والإصلاح) هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزاء ما طرأ عليه من فساد.
(والإفساد) هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه.
فإصلاح البدن بمعالجته بالحمية والدواء، وإصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة.
وإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، وإفساد النفس بمفارقة المعاصي والذنوب. وهكذا تعتبر النفوس بالأبدان في باب الصلاح والفساد، في كثير من الأحوال، غير أن الاعتناء بالنفوس أهم وألزم، لأن خطرها أكبر وأعظم.
إن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلا آلة لها ومظهر تصرفاتها، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها. وإنما رقيه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه وانحطاطها، وما فلاحه إلا بزكائها، وما خيبته إلا بخبثها. قال تعالى: (قد أفلح مَن زكاها، وقد خاب مَن دساها) الشمس/ 9-10.
وفي الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
وليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية المرتبطة به.
وللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن، ومبعث دورته الدموية، وعلى قيامه بوظيفته تتوقف صلوحية البدن، لارتباط النفس به. فكان حقيقاً لأن يعبر به عن النفس على طريق المجاز.
وصلاح القلب ـ بمعنى النفس ـ بالعقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، وإنما يكونان بصحة العلم، وصحة الإرادة، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح صلح البدن كله، بجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة. وإذا فسدت النفس من ناحية العقد، أو ناحية الخلق، أو ناحية العلم، أو ناحية الإرادة.. فسد لابدن، وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد.
فصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس: إما مباشرة وإما بواسطة.
فما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح.
وما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلا وهو عائد عليها بالفساد.
فتكميل النفس الإنسانية هو أعظم المقصود من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وشرع الشرائع.
وهذه الآيات الثمان عشرة قد جمعت من أصول الهداية ما تبلغ به النفوس ـ إذا تمسكت به ـ غاية الكمال.
قد أمر تعالى في الآيات المتقدمة بعبادته والإخلاص له.
وأمر ببر الوالدين، والغحسان إليهما في الظاهر والباطن.
كما أمر بغير ذلك في الآيات اللاحقة. ووضع هذه الآية أثناء ذلك، وهي متعلقة بالنفس وصلاحها.. لينبه الخلق على أصل الصلاح الذي منه يكون، ومنشؤه الذي منه يبتدئ. فإذا صلحت النفس قامت بالتكاليف التي تضمنتها هذه الآيات الجامعة لأصول الهداية، وهذا هو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها، الذي يكون قبل التدبر خفياً.
ونظير هذه الآية في موقعها ودلالتها على ما به يسهل القيام بأعباء التكاليف، قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين) البقرة/ 238.
فقد جاءت أثناء آيات أحكام الزوجية آمرة بالمحافظة على الصلوات، تنبيهاً للعباد على أن المحافظة عليها على وجهها، تسهل القيام بأعباء تكاليف تلك الآيات، لأنها تزكي النفس بما فيها من ذكر وخشوع وحضور وانقطاع إلى الله تعالى، وتوجه إليه، ومناجاة له.
وهذا كله تعرج به النفس في درجات الكمال.
والنفوس الزكية الكاملة تجد في طاعة خالقها لذة وأنساً تهون معهما أعباء التكليف.
ثم إن العباد بنقص الخلقة وغلبة الطبع.. معرضون للتقصير في ظاهرهم وباطنهم في صور أعمالهم ودخائل أنفسهم ـ وخصوصاً في باب الإخلاص ـ فذكروا بعلم ربهم بما في نفوسهم في قوله تعالى: (ربكم أعلم بما في نفوسكم) ليبالغوا في المراقبة فيتقنوا أعمالهم في صورها ويخلصوا بها له. وهذه المراقبة هي الإحسان الذي هو عبادتك الله كأنك تراه.
وذكر اسم الرب لأنه المناسب لإثبات صفة العلم، فهو الرب الذي خلق النفوس، وصورها ودبرها. ولا يكون ذلك إلا بعلمه بها في جميع تفاصيلها وكيف يخفى عليه شيء وهو خلقها؟
(ألا يعلم مَن خلق وهو اللطيف الخبير) الملك/ 14.
والصالحون في قوله تعالى: (إن تكونوا صالحين)، هم الذين صلحت أنفسهم فصلحت أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.
وصلاح النفس وهو صفة لها.. خفي كخفائها؛ وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها: فمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة ـ وهي الجارية على سنن الشرع، وآثار النبي (ص) ـ حكمنا بصلاح نفسه، وأنه من الصالحين.
ومَن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه، وأنه ليس منهم.
ولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلا هذا الطريق. وقد دلنا الله تعالى عليه في قوله تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله، واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، وأولئك من الصالحين) آل عمران/ 113 و114.
فذكر الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين. فأفادنا: أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلا بها، ولا يستحقه إلا أهلها.
ثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال. ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن؛ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا، لأن الأعمال قسمان: أعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح.
وقد قال النبي (ص): (التقوى ههنا)، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلا الله.
(والأوابون) في قوله تعالى: (فإنه كان للأوابين غفوراً). هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى.
والأوبة في كلام الرعب هي الرجوع، قال عبيد:
وكـل ذي غيـبـة يـؤوب
وغائب الموت لا يؤوب
والتوبة، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلا بالإقلاع عنه، واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وتدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة: فتشمل من رجع إلى ربه تائباً من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله ويتضرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب.
فنستفيد من الآية الكريمة: سعة باب الرجوع إلى الله تعالى. فإن تاب العبد، فذاك هو الواجب عليه، والمخلِّص له ـ بفضل الله ـ من ذنبه. وإن لم يتب فليدم الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع، والتعرض لمظان الإجابة وخصوصاً في سجود الصلاة، فقمين ـ إن شاء الله تعالىـ أن يستجاب له.
وشرّ العصاة هو الذي ينهمك في المعصية، مصراً عليها، غير مشمر منها، ولا سائل من ربه ـ بصدق وعزم ـ التوبة منها، ويبقى معرضاً عنه ربه كما أعرض هو عنه، ويصر على الذنب حتى يموت قلبه. ونعوذ بالله من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له.
وجاء لفظ (الأوابين) جمعاً لأواب، وهو فعال من أمثلة المبالغة، فدل على كثرة رجوعهم إلى الله. وأفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى الله: ذلك أن النفوس ـ بما ركب فيها من شهوة، وبما فطرت عليه من غفلة، وبما عرضت له من شؤون الحياة، وبما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن ـ لا تزال ـ إلا مَن عصم الله، في مقارفة ذنب، ومواقعة معصية صغيرة أو كبيرة، من حيث تدري ومن حيث لا تدري. وكل ذلك فساد يطرأ عليها، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه، وإبعاد ضرره عنها. وهذا الإصلاح لا يكون إلا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.
ولما كان طروء الفساد متكرراً فالإصلاح بما ذكر يكون دائماً متكرراً.
والمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها، والقيام في ذلك، والجد فيه، والتصميم عليه، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد.
ومن معنى هذه الآية قوله تعالى: (إن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين) البقرة/ 222. وهم الذين كلما أذنبوا تابوا، والتوبة طهارة للنفس من دَرَنِ المعاصي.
(والغفور) في قوله تعالى: (فإنه كان للأوابين غفوراً) هو الكثير المغفرة، لأنه على وزن فعول، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة. والمغفرة سترة للذنب وعدم مؤاخذته به.
ولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين، ومغفرته أكبر. وليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه، فلا يفتأ العبد راجعاً راجياً للمغفرة، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع، ولا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفور كثرةُ الرجوع.
وقد أكد الكلام بـ(إنّ) لتقوية الرجاء في المغفرة. وجيءَ بلفظة كان، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق، وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق؛ فقد كان عباده يذنبون ويتوبون إليه، ويغفر لهم، ولا يزالون كذلك، ولا يزال تبارك وتعالى لهم غفوراً.
وإنما احتيج إلى هذا التأكيد في تقوية رجاء المذنب في المغفرة، ليبادر الرجوع على كل حال، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة.
أحدهما كثرة ذنوبه التي يشاهدها فتحجبها كثرتها عن رؤية مغفرة الله تعالى، التي هي أكبر وأكثر.
والآخر رؤيته لطبعه البشري؛ وطبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال، كما قال شاعرهم ـ أي البشر ـ لأن اشاعر العربي عبر عن طبع بشري:
سـألنا فأعـطيتم، وعـدنا فعدتـم
ومَن أكثر التسآل يوماً سيحرم
فيقوده القياس ـ وهو من طباع البشر أيضاً ـ الفاسد: إلى ترك الرجوع والسؤال، من الرب الكريم العظيم النوال.
فهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع والتوبة، فيستمر في حمأة المعصية، وذلك هو الهلاك المبين. فكان حاله مقتضياً لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات.
وقد كان مقتضى الظاهر في تركيب الآية أن يقال: إن تكونوا صالحين فإنه كان لكم غفوراً؛ لأن المقام للإضمار. لكنه عدل عن الضمير إلى الظاهر، فقيل: (فإنه كان للأوابين غفوراً) لينص على شرط المغفرة وهو الأوبة والرجوع.
وعلم من ذلك أن الصالح عندما تقع منه الذنوب مطالب ـ كغيره ـ بالأوبة، لتحصيل المغفرة، لأن فرض الأوبة إلى الله من المعاصي عام على الجميع.
وقد اشتملت الآية من فعل الشرط، وهو (إن تكونوا صالحين)، وجواب الشرط، وهو (فإنه كان للأوابين غفوراً) على الحالتين اللازمتين للإنسان لتكميل نفسه، وهما الصلاح المستفاد من الأول، والإصلاح بالأوبة المستفاد من الثاني.
وما دام الإنسان مجاهداً في تزكية نفسه بهذين الأصلين فإنه بالغ أملاً ورجاءً ـ بإذن الله ـ درجة الكمال.
ثبتنا الله والمسلمين عليهما، وحشرنا في زمرة الكاملين المكملين إنه المولى الغفور الكريم.
المصدر: تفسير بن باديس

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:00 am



ضوابط الابتلاء ومقاديره


شاكر عبدالجبار

مصائب الدنيا ليست طارئة:
كل شيء محسوب إلهياً قبل حصوله وقد جرى توفير جميع مستلزماته، ولو لم يكن الأمر هكذا لتحول عالمنا الأرضي إلى خراب خلال وقت قصير بفعل كثرة الأحداث وعظم ما تلحقه من خسائر .. !
فالإنسان يمرض ـ مثلاً ـ وهذا لا يحدث إلا بعد أن تتوفر الظروف الملائمة ومتطلباتها ومدى استعداد الجسم ونوع الجرثومة ومقدار فاعليتها وأخذ النتائج بالحسبان والتحوط لما تتركه من فراغ أو خلل في المحيط حتى يمكن تعويض ذلك وتطويق استفحاله المنفلت .. !
وكذلك عند حدوث ولادة أو رحيل إلى العالم الآخر، فالولادة تنشئ زيادة في عدد السكان ينبغي أن تؤخذ متطلباتها في كل شيء، وعلام نذهب بعيداً فالطفل حالما يغادر الرحم وينزل إلى دنياه يبدأ ثدي الأم بتكوين الغذاء المناسب له تماماً المتزايد في مقادير عناصره يوماً بعد يوم .. !
ورحيله يعني نقصاناً في عدد السكان ينبغي أيضاً أن يعوض حتى لا تختل الحياة، بل إن تفسخ الجثة تحت الثرى وفوقه قد جرى توفير كل ما يتطلبه حفاظاً على البيئة كإيجاد الحشرات التي تلتهم المواد الميتة وتسيغها رغم تعفنها، وهي بذلك تعيش عليها لتؤدي وظائف أخرى عديدة في مجالات البيئة .. !
وعندما ينكب المرء بمصاب جلل ففضلاً عن تهيئة كل الاستعدادات اللازمة لحصول المصيبة من حيث وقتها المحدد وعمقها المطلوب ومدى تأثيراتها فإن ما يعتري المصاب منم شاعر في اللحظات العصيبة يجري التحوط له، ولذا يكثر أن نرى مفجوعين وهم يتمالكون أنفسهم وقت حلول النكبة ليتسنى لهم مواجهتها، فلو تركوا وشأنهم دون تدخل من الله تعالى ممثل بإلهامهم الصبر والثبات لفجر هول الموقف كل مشاعرهم وشل جميع قواهم ولتساقطوا صرعى حالاً .. !
فإن يحصل شيء من هذا القبيل صدفة أو بدون تحضير مستلزماته يعني خللاً في تكوين دنياناً، ولو افترضنا وجود هذا الخلل فأدنى مقدار منه كفيل أن يتفاقم ويحدث عرقلة في الدنيا قد توقف مسيرتها بعد وقت ليس بالطويل لأن الحياة ذات تفاصيل متشابكة تتفاعل باستمرار فينجم عن ذلك إما تواصل المسيرة عند سلامتها من الخلل أو أن تتعرقل بوجود أدنى مقدار منه إذ يستفحل حد أن يمنع تواصل الحياة محطماً كل أوجها الزاهي العظيم .. !
وما نقوله ليس هو محض استقراء لأفعال دنيانا فقط، وإنما هناك التوجيه القرآني المتعاضد مع ما يجري فعلاً بكل أبعاده، يقول تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير .. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور).
فما أكثر مصائب الأرض كالزلازل والبراكين والأعاصير والفيضانات والحرائق الكبرى والحروب وتساقط النيازك والمجاعات وانقراض أحياء وتهدم مدن وغيرها كثير، كل هذا بجميع عوامل حصوله وجميع ما يخلفه من آثار ونتائج إنما هو محسوب من قبل الرب سبحانه قبل أن يخلق الأرض حتى يكون هذا الكوكب محكم التكوين ومستعداً لكل ما يجري فوقه فيما بعد فيمكنه المضي بمسيرة الدنيا إلى أجلها المحدد لدى الخالق .. !
وما أكثر مصائب البشر كذلك كالأمراض والضعف والجهل والفقر وحوادث الضر المختلفة والبلاء النازل بشقيه المبهج والمحزن على تنوع أشكاله وتباين مقدار حالاته، مصائب البشر هذه قد علم الله تعالى بها قبل أن يخلقهم حتى يكونوا في تكوين كل منهم مستعدين لتلقي ما يحصل وحتى يكون بوسع الحياة التجوب لتحصيل الأغراض الإلهية من وراء ذلك كله بتمامها .. !
فالخالق عز وجل لو لم يكن قد سبق علمه بمصائب ا لأرض والبشر قبل أن يخلقهما ووفر جميع ما يتطلبه هذا الأمر من لوازم واستعدادات لما تسنى للوضع الابتلائي أن يتواصل هكذا بكل الاتزان والانضباط والدقة وتحقيق المرامي العليا بالشكل المتحدث عنه في القرآن الكريم، بل الأسوغ هو أن يؤول عالمنا بفعل تراكم الأحداث المريرة وتأثيراتها المدمرة إلى خراب تام خلال وقت قصير .. !
والمؤمن الحق عندما يستيقن هذه الحقائق ينبغي أن لا يأسى حزناً على ما فات وكأنه شيء ضائع وأن لا يطيره الفرح بما هو آت وكأنه لا يزول، لأن الماضي المسلوب قد تم بتقدير الله ضمن سابق علمه ومقتضيات حكمته، ولأن المتاح كذلك خاضع لهذا التقدير وأنه معرض للانتزاع قريباً إذ أن صاحبه في أبعد الاحتمالات هو راحل عن الدنيا وتارك وراءه كل شيء .. فتذمر الحزين بسبب ما فاته يعني السخط على تقدير الله تعالى وطيش الفرحان بما ناله يعني الغرور .. !
أما غير المؤمن فإنه يصاب بالضر فيمزق أحشاءه الألم ويرى أنه خائب إذ أن فعلاً هو (خبط عشواء) ضربه وكان (بالمقدور تفاديه) فيجزع وييأس وتسود الدنيا في عينيه، ولكما حاول ليرفع عن كاهله أثقال الضر جوبه بتزايد السوء لأنه غير متزن وهائج لقلب ويرى الأشياء بغير حجمها الحقيقي وبعيداً عن التبصر في معالجة المعضلات .. !
وينال النفع فيستخفه الفرح والزهو والاختيال ويرى أنه (بارع) إذ انتزع (بمحض) قوته شيئاً من (فم الأسد) ثم يتصرف على هذا الأساس في مواجهة كل شيء وتغدو الدنيا في عينيه وكأنها ميدان يتناهبه الأقوياء، وينسحق فيه الضعفاء فيمشي خطوات حتى إذا اطمأن إلى هذا الوضع الخاطئ جاءته الكوارث لتؤكد له وللآخرين سوء معتقدهم وبأن أي انسان لا يستطيع بمعزل عن القدرة العليا أن ينال ذرة من النفع .. !
ـ التقدير الإلهي وراء الأحداث:
نعم الإنسان يريد ويحاول ويسعى، ولكن بلوغ تحقيق الأمر لا يتم ما لم يكن هناك من الله تعالى تدخل وإذن، لأنه جل وعلا المتحكم الأوحد بوقائع الكون وأشيائه وجميع قوانينه.
فلو أردت قتل زيد من الناس فتوفر لديك السلاح وأمكنك الترصد فإنك لن تستطيع ضمان حضور الغريم في الوقت الملائم ولن تستطيع ضمان دقة إطلاق النار عليه ولن تستطيع ضمان موته بتلك الضربة .. !
ولكن قتل زيد عندما يحصل لا يعني تبرؤ القاتل من التبعة، فهو اعتزم الفعل وحاوله وأنجز على يديه .. فإن تبقى الروح في الحياة أو أن تغادرها أمر لا يتعلق البتة بقرار من مخلوق وإنما هو رهن مشيئة الخالق حصراً، وكل ما يحاوله الإنسان هو أن يوظف استعداداته لتحقيق أمر ما فإن حصل أو لم يحصل هو خاضع كلياً لحكمة العليم الخبير، ولو تصورنا أن المخلوق يملك بلا تدخل الرب وإرادته إهلاك مَن يشاء لكان عالمنا على هذا الأساس يزخر بمالكين للأفعال الكونية العليا يمكن اعتبارهم آلهة .. !
ومَن هو الله الذي يرتكن إليه المؤمن .. ؟
إنه ((بكل شيء عليم)) هو خالق الكائنات كلها ومدبر كل شؤونها ومالك الوجد المطلق الذي لا يغيب عن علمه شيء مهما استدق وضؤل وتوارى وابتعد، ولأنه العليم الأوحد على صعيد الكون كله، فهو إذن الكافي لمن اعتمد عليه المغني لمن تعامل معه بكل الاستسلام والانقياد والرضى المنير لقلب وثق بعلو تدبيره .. !
غير أن هناك أناساً يفكرون بعيداً عن الحقائق الكونية العليا وبمعزل عن نور الله فيحسبون في أحسن أحوالهم أن الخير يتحقق ويأتي من عند الله أما الشر فيتحقق ويأتي (بفعل قدرة أخرى) وهم بذلك كمن لا يكاد يفهم حقائق الكون وقوانينه، يقول تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك، قل: كل من عند الله، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟).
التفريط سبب المصيبة:
يقول تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك) .. وهذا لا يتعارض مع أن (كل من عند الله) فهو جل شأنه قد شرع سبيل الخير وأعان عليه وحذر من سبيل الشر وعواقبه، وتكفل مَن اتبع منهجه المقرر وتوجيهات رسوله أن يظفر بطيبات الخير ويسلم من سيئات الشر، ومَن لا يلتزم بذلك لن ينجو من المعاناة، فالماسك بالقوانين الكلية المتحكم في فعلها ومجالات سريانها وكل آثارها هو الله تعالى، ولا يتعارض مع هذا الأمر كون المرء يصيبه السوء بسبب تفريطه، فالمفرط كما يبدو ليس هو أكثر من أداة لها مقدار من الإرادة والاختيار تتحمل به تبعات ما نصنع .. !
وفي القرآن مثل وقع للمسلمين يوم أحد، يقول تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير .. وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين .. وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، والله أعلم بما يكتمون).
في منتصف معركة أحد بدأ حال المسلمين في التفوق وحيازة النصر ينقلب إلى انكسار وهزيمة فقالوا مستغربين: كيف يحصل هذا .. !؟ إنه بسبب ترك الرماة لمواقعهم فوق الجبل متجاهلين تحذير النبي عليه أفضل الصلاة والسلام في أن يظلوا في ذلك المكان حتى لا ينكشف ظهر المسلمين، فلقد تراءى لهم أن القتال قد حسم بدحر المشركين ولقد رأوا الساحة ملأى بالغنائم فهرعوا إلى التقاطها تاركين الموضع الحساس فوق الجبل الذي شدد الرسول على أن لا يبرحوه .. !
وعندئذ حدثت الثغرة فاندفع إليها جمع مشرك يقوده خالد وراح خلال وقت قصير يوقع بالمسلمين خسائر فادحة .. فهو قانون لابد أن يسري، يوم بدر ذاق المسلمون طعم النصر العظيم بسبب التزامهم الدقيق الكامل بتوجيهات قائدهم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي النصف الأول من معركة أحد نالوا كذلك نصراً كاد يحسم المعركة لصالحهم بسبب الالتزام بالتوجيهات النبوية، أما بعد التصرف المعاكس لهذه التوجيهات فثمة خلل لابد من تلقي تبعاته .. !
وفي أية حال فالله تعالى متفرد بقدرته، ولو أراد للمسلمين الانتصار بدون سبب لفعل ولكنه أوجد قوانين الأسباب لحكمة عليا، ومن هنا يبدو أن كل شيء يحصل بأمر الله تعالى، ويبدو أيضاً أن البلاء مجال يتجلى فيه الإيمان وعمقه بأبهى الصور ويتعرى فيه النفاق وزيفه بأخزى مساوئه وأقبحها .. !
وقد يقال هنا: ما دام الأخذ بالأسباب هو العامل الأهم فقد يتساوى الانتفاع به لدى المسلمين وأعدائهم وربما ترجح كفة الأعداء عند أخذهم بالأسباب بشكل متفوق .. !
لا .. فبركة الأخذ بالأسباب في الجانب الإسلامي ذات نفع عظيم لأنه مؤيد من قبل الله تعالى، فقل لي بربك: في معركة بدر المسلمون أخذوا بالأسباب على ضآلة وجودها والمشركون أخذوا بالأسباب على كثرة توفرها، فلمن تحقق النصر .. ؟ ثلاثمئة رجل يزيدون قليلاً هم المسلمون قد استطاعوا بفضل انصياعهم لأمر الله وتمسكهم بتوجيهات الرسول أن يدحروا عدوهم البالغ ثلاثة أمثال عددهم والمتفوق عليهم أيضاً في مقدار السيوف والرماح والنبال والركائب .. !
فالوضع الإيماني حساس ودقيق لا يحتمل أدنى خلل حتى لو كان شيئاً من الاعتقاد الخفي ممزوجاً بانحراف التصور، وانعكاساته لابد أن تظهر سريعاً بكل قوة، فإما التزام كامل بمفردات المنهج الإلهي ومتطلباتها يقود إلى ثمار طيبة وإما التزام مشوب وغير كامل بهذا المنهج ومتطلباته يقود إلى مر العواقب .. !
ونحن نستطيع أن نبصر كون التفريط سبب المصيبة، أما أطراف حكمة الرب العليم الخبير التي تتحصل من وراء ذلك في كل جهة وقوم وإنسان وحالة وزمان فهي أبعد من قدرتنا على الاستقصاء .. !
التفاضل بين الناس مقصود:
تفاوت البشر فيما لديهم من عطاء الله شأن ملحوظ في الأرزاق والصفات والمزايا والأضداد والألوان مصداقاً لقوله تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم، إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم).
تقسيم العطاء بزيادة هنا ونقص هناك وبما يحدثه من رفع وخفض وتفاعل ينجلي عن آثار كثيرة، أمر قصده الخلاق العظيم ليحصل به الابتلاء الأرضي، ويظهر من خلاله شكر الغني أو كفره وصبر المحتاج أو سخطه وهكذا، وبالتالي يكون الجزاء الأخروي فوزاً بغفران المنعم ورحمته أو خساراً بعقاب المنتقم وعذابه .. !
والبعض يتضايق من مسألة التفاضل بين الخلائق وكأنه يريد من الخالق سبحانه أن يجري الأمور وفق تفكيره هو وبمراعاة ما يحب ويكره، أو في أحسن الأحوال فإنه يفكر بالعدل الإلهي ثم يتساءل محتازاً: كيف جرى ذلك التفاوت العظيم أحياناً .. !؟ وكأنه قادر على أن (يحيط) بأفعال الله تعالى كلها وقادر على أن يلحظ مجالات سريانها (بالكامل) وقادر على أن يقف على (كل) آفاق نتائجها فيبيح لنفسه إذن التعامل معها بصفة (الحكَم) .. !
وجود التفاضل بين الناس جد مهم في عملية الابتلاء الأرضي وهو متوافق تماماً مع مختلف أوضاع الحياة في كوكبنا، بل إنه يتضافر معها لتحصيل المقاصد الإلهية من الاستخلاف البشري فوق الأرض، فلو كان بنو الإنسان جميعهم على نمط واحد ينالون قسطاً من عطاء الله متساوياً لتعطل الجزء الأكبر من الابتلاء بجميع تفاعلاته ولما استجليت خفايا كل امرئ ولما ظهرت دواخل الصدور على صعيد الواقع بكل حقيقتها .. !
صحيح أن الله تعالى سابق بعلمه في التعرف على حقيقة هذا وذاك وهو ليس محتاجاً إلى تهيئة الأوضاع لاستجلاء مكامن النفوس ولكنه جل وعلا أراد أن يبتلي أولاً ثم يجازي من بعد وأن يتم كل هذا في نطاق معلن، وهو جل شأنه فعال لما يريد ولا يسأل عما يبتغيه .. !
الابتلاء بالمصائب والنعم:
ابتلاء له كفتان بهما يستكمل أغراضه، فقيم المرء الغائرة في الأعماق لا تظهر كلها وبتمام حقيقتها إن لم يوزن صاحبها بكفتي الابتلاء فيذاق المر والطيب لينظر من ثم مدى صبره ومبلغ شكره ويستجلى عمق ارتباطه بالكون ويستوضح فهمه لحقائق الأشياء وأي قيمة يمحضها لكل حقيقة وكيف يتعامل معها وبالتالي ليتبين مقدار استقامته على الحق أو ميله إلى الباطل .. !
يقول تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) .. يبتلى المرء بالضر فيعرف مقدار احتماله ويظهر مدى صبره وهو يعاني، ويختبر وثوقه في تصاريف الله تعالى، وعندئذ يتبدؤ رجاؤه في لطف الرب ورحمته أو يتكشف قنوطه فيعبر عن رداءة الإيمان والانحدار إلى الخسران .. !
والابتلاء بالضر مفهوم إجمالاً ويغلب أن يقابل بالانتباه والثبات حتى تنقشع غيوم الشدة، أما أن يبتلي المرء بالخير فهنا الامتحان الملتبس، فالكثيرون وهم ينغمسون في طيبات الخير لا يحسبون أنهم مبتلون ولذا تتراخى أعصابهم حد غياب اليقظة والحذر ويرتكبون أغلظ الأخطاء وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .. !
كثيرون هم الذين ينهش أجسادهم الداء ويصبرون على تجرع أقسى آلامه يعمر قلوبهم الرضا بقدر الله وحسن الرجاء وانتظار الفرج، أما المتنعمون بتوفر الصحة وعنفوانها فقليل منهم المتصرف بقوته بعيداً عن الجموح والطغيان المستخدم لها ضمن إطار الحق ومتطلباته..!
غير أن هم المؤمن الحق وهو يتقلب على نار المصيبة وفي رخاء النعمة يجب أن ينصب دائماً على التماس رضى الله تعالى، وينبغي أن يستقر في ذهنه على الدوام أن كثرة الحطام الدنيوي عند البعض لا تعبر عن كرامة نالها من عند المنعم سبحانه، وكذلك خواء اليد من هذا الحطام لا يدل على هوان، يقول تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمن .. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانن .. كلا!) .. فهو تشنيع بنظرة غير المؤمن لأنها فاسدة .. !
العبرة ليست بالمنع والعطاء ولكن بما يسفر عنه الابتلاء .. !
قانون ابتلاء الأمم والدول:
وليس الأفراد وحدهم يتعرضون لكفنتي الابتلاء، وإنام الغالب في حياة الأمم والدول أنها تمر بمرحلتين أيضاً، تذوق في إحداهما مرارات الحاجة والضعف والشدائد، وبالأخرى تتنعم بالوجدان والقوة والرخاء، وقد تتقدم هذه على تلك .. !
يقول تعالى: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون .. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون .. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون .. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين).
الابتلاء بالشدة كما يفترض يوقظ المشاعر العميقة ويخفف من قسوة القلوب فيهرع أصحابها إلى خالقهم المهيمن الأوحد متضرعين طلباً للعفو والعون والرحمة، أما إن لم ينفع معهم هذا اللون الابتلائي فعندئذ تتبدل أحوالهم نحو السراء لعلهم بالنعمة ـ وهي ابتلاء آخر ـ يتحسسون فعل القدرة العليا وهي تنقلهم من حل يبدو منغلقاً بكرباته إلى حال مغاير تماماً تذكر طيباته بالإعجاز الإلهي وهو يصنع معهم العجائب .. !
القلوب القاسية قد تستحيا بنوالي الآلام وضغط البأساء، فإن لم تنتبه فلا يرجى لها بعدئذ استيقاظاً بالنعمة، ولكن العليم الخبير عندما يكشف الغمة ويمنح النعماء يريد أن يقيم على الناس كامل حجته فلا يقول بعدها معترض إنه ابتلي بالضر ولم يبتل بالخير الذي ربما كان معه (أجدى) .. !
وماذا يحصل لو أن القوم آمنوا .. ؟
يقول تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا وانقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).. ففي حالة الإيمان والتقوى يفيض الخالق الكريم بكراته على الناس تتفجر خيرات في الأرض وتهبط خيزات من السماء بشكل عام مطلق يتناسب مع أحوالهم في الزمان الذي يعيشون فيه ويتناسب مع المستويات البشرية في ذلك الوقت وبما يحقق مقاصد الحكمة العليا بالشكل الواسع المترابط .. !
قانون ابتلاء الأمم والدول في القديم والحديث واللاحق واسع الإطار مليء بالتفاصيل مزدحم بالألوان، المهم فيه هو الهدف الكلي للقانون، إنه الجدير بالتأمل والاستحضار، أما الجزئيات فإنها قد تلهي عنه وقد تضل عن مراميه، فلنتعامل معه كما فعل القرآن عندما استعرض نطاق القانون وشواهده بكلمات معدودة، وهكذا هو القرآن في كل شأنه يلخص الأحداث الجسام الكثيرة ببضع آيات ـ كما في سورة الفيل ـ حفاظاً على لب الموضوع وجوهره وإبعاداً للانسان المستهدي عن الغرق في التفاصيل والتشعبات .. !
----------------------------
* المصدر: حقيقة الابتلاء الدنيوي

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:01 am



طرق التعفف

عثمان الطويل

ان العلم بحرمة ممارسة العادة السرية وحرمة ارتكاب الفواحش من زنا ولواط وغيرها يكفي للابتعاد عنها لان شأن المسلم الامتثال لأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه لقوله تعالى: (ومَا كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أن يكون لهم الخيرةُ من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبينا).
لكن هذا لا يمنع من اقتراح بعض الوسائل التي تُساعد أبناء المسلمين على التعفف وتهذيب الشهوة وتقويمها والابتعاد عن المعاصي والكبائر التي تؤدي الى الهلاك والعذاب الأليم.
1_ غض البصر عن المُحرمات:
وفي غض البصر عن المحرمات فوائد كثيرة ذكرها الامام ابن القيم الجوزية _رحمه الله _ في معظم كتبه منها:
1_ انه امتثال لأمر الله تعالى الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.
2_ حلاوة الايمان ولذّته التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره عنه وتركه لله تعالى فان من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه والنفس مولعة بحب النظر الى الصور الجميلة والعين رائد (رسول) القلب فالقلب يبعث رائده لينظر ما هناك فاذا أخبره بحسن المنظور اليه وجماله تحرك اشتياقاً اليه وكثيرا ما يتعب ويُتعب رسوله ورائده.
3_ تخليص القلب من ألم الحسرة فان من أطلق نظره دامت حسرته فأضر شيء على القلب ارسال البصر فانه يُريه ما يشتدُّ طلبه ولا صبر له عنه ولا وصول له اليه وذلك غاية ألمه وعذابه.
4_ يورث القلب نورا واشراقا يظهر في العين والوجه وفي الجوارح كما أن اطلاق البصر يورث ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه ولهذا والله أعلم ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى: (الله نورُ السماواتِ والارض) عُقيب قوله (قُل للمؤمنينَ يغضُّوا من أبصارهم).
5_ يفتح له طرق العلم وأبوابه ويُسهل عليه أسبابه وذلك بسبب نور القلب فانه اذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات وانكشفت له بسرعة ونفذ من بعضها الى بعض ومن أرسل بصره تكدّر عليه قلبه وأظلم وانسدّ عليه باب العلم وطُرقه.
6_ يورث القلب سروراً وفرحاً وانشراحاً أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه (شيطانه) بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه.
7_ يُخلّص القلب من أسر الشهوة فان الأسير هو أسير شهوته وهواه.
8_ يُخلّص القلب من سُكر الشهوة ورقدة الغفلة فان اطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق كما قال الله تعالى (لعمرك انهم في سكرتهم يعمهون) فالنظرة كأس من خمر والعشق هو سكر ذلك الشراب وسكر العشق أعظم من سكر الخمر فإن سكران الخمر يفيق من سكرته وسكران العشق قلّما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات.
2_الابتعاد عن المثيرات الجنسية:
مما لا يختلف فيه اثنان أن المجتمع الذي نعيش فيه يعج بالمفاسد والمُغريات ويتخبّط بالانحلال والفجور... ولا شك أن الشاب حين يجري وراء هذه المُثيرات والمفاتن ويتيه في حمأة الرذيلة والفاحشة... فانه يتأثر _ولا شك _ خُلقيا وينحرف سُلوكياً ويكون كالحيوان شهوة وانطلاقاً...
فما على المربين إلا أن يقوموا بدور النصح وواجب التنبيه والتحذير تجاه من لهم في أعناقهم حق التوجيه والتربية حيث يهمسون في آذانهم أن النظر الى النساء الكاسيات العاريات المتبرجات... وأن قراءة القصص الغرامية والمجلات الخلاعية التي يقوم على ترويجها تجار الغرائز والشهوات من يهود وتلاميذهم... وأن السماع الى الأغاني الخليعة الماجنة التي تبثها أمواج الاثير في كل مكان...
3_استشعار خوف الله تبارك وتعالى:
من المُسلم به أن الشاب حين يستشعر من أعماق وجدانه أن الله سبحانه وتعالى يراقبه ويعلم سرّه ونجواه ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور... وأنه سيحاسبه أن قصّر وفرّط ويعاقبه ان انحرف وزلّ ولا شك أنه سينتهي عن المعاصي والموبقات ويكفّ عن المنكرات والفواحش...
4_الأخذ بالتعاليم الطبية:
إن مما ينصح به علماء الصحة والطب في التخفيف من سلطان الغريزة وجموح الشهوة هو ما يلي:
1_ الأكثار من الحمامات الباردة في موسم الصيف.
2_ الأكثار من الالعاب الرياضية والتمارين الجسمية.
3_ تجنب الاطعمة المحتوية على بهارات وتوابل لكونها مثيرة ومُهيجة.
4_ الاقلال ما أمكن من المُنبهات العصبية كالقهوة والشاي.
5_ عدم الاكثار من اللحوم الحمراء والبيض.
6_ عدم النوم على الظهر أو البطن بل السُنة أن ينام على شقه الايمن مُستقبلا بوجهه القبلة.
5_ ملء الفراغ بما ينفع:
يُقرر علماء النفس والتربية أن الولد اذا اختلى الى نفسه وقت فراغه ترد عليه الافكار الحالمة والهواجس السارحة والتخيلات الجنسية المثيرة... فلا يجد نفسه _ان كان مراهقا أو شابا _ إلا وقد تحرّكت شهوته وهاجت غريزته أمام هذه الموجة من التأملات والخواطر...
فعندئذ لا يجد بُداً إلا أن يلجأ الى العادة السرية ليخفف من طغيان الشهوة ويحد من سلطانها.
إذاً ما العلاج للتخلص من سوانح الخواطر وشرود الخيال حتى لا يقع في هذه النتائج الوخيمة والعواقب الاليمة...؟
العلاج:
أن يعرف الفتى كيف يقضي وقته ويملأ فراغه؟
وما أكثر هذه المجالات التي يقضي فيها الوقت ويملأ الفراغ!!
إما برياضة بدنية يقوي بها جسمه أو نزهة بريئة مع رفاق مؤمنين يروح بها عن نفسه أو مطالعة مفيدة يكمل بها علومه أو عمل يدوي ينمي به ميوله أو حضور درس ديني توجيهي يُهذّب خُلُقه أو مباراة ثقافية يُروض بها عقله أو تمارين على الرمي ووسائل الجهاد يعد بها نفسه... الى غير ذلك من هذه المجالات النافعة التي تُغذي الفكر وتُهذب الروح وتقوي الجسم وتسمو بالخلق!!
6_الرفقة الصالحة:
من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الأب تجاه ولده أن يختار له رفقاء صالحين مأمونين يُذكّرونه إذا نسي وينصحونه إذا انحرف ويُعينونه إذا انصلح ويواسونه إذا أصابته أحداث ونوازل!!
وقد يقال: إنّ هؤلاء الرفقاء المعنيين قليلون ولا سيّما في هذا الزمان الذي عزّ فيه الصديق المُخلص والرفيق المؤمن... نعم نُسلّم أنهم قلّة ولكن هذه القلة متوفرة في كل مكان يُعرفون بسيماهم من أثر السجود ويُميّزون بأخلاقهم العالية وبنهجهم المستقيم فما أجدر الشاب أن يبحث عنهم ليكونوا له السند في الملمّات والعون على مفاسد الحياة ومفاتنها والبطانة الخيرة التي يثق بها ويأوي اليها ويعتمد عليها...
7_ صوم النفل:
أمر الرسول عليه السلام من كانت عنده ظروف قاهرة تمنعه من الزواج في سن مُبكرة أن يصوم صيام النفل لما للصيام من تخفيف لغلواء الشهوة وكسر لحدّة الشهوة وتقوية لمعنى المراقبة لله.
8_ تقوية الوازع الديني في النفس وتكون بالامور التالية:
1_ اجلال الله تبارك وتعالى أن يُعصى وهو يرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد اجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك البتة.
2_ مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له، فان المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته بون بعيد.
3_ مشهد النعمة والاحسان، فان الكريم لا يُقابل بالاساءة من أحسن اليه، وأنما يفعل هذا لئام الناس، فيمنعه مشهد احسان الله تعالى ونعمته عن معصيته حياء منه أن يكون خير الله وانعامه نازلا اليه ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة الى ربه، فملك ينزل بهذا وملك يعرج بذاك فأقبح بها من مُقابلة!
4_ مشهد الغضب والانتقام، فان الرب تعالى اذا تمادى العبد في معصيته غضب، واذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلا عن هذا العبد الضعيف.
5_ مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلا وشرعا وعُرفا ويزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعا وعقلا وعُرفا، ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الايمان الذي أدنى مثقال ذرّة منه خير من الدنيا وما فيها، فكيف أن يبيعه لشهوة تذهب لذّاتها وتبقى تبعتها، تذهب الشهوة وتبقي الشقوة.
6_ مشهد القهر والظفر، فان قهر الشهوة والظُّفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاق ذلك، أعظم من الظفر بعدوه من الآدميين وأحلى موقعا وأتم فرحة، وأمّا عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد واعاده الى صحته واعتداله.
7_ مشهد العوض، وهو ما وعده الله سبحانه من تعويض من ترك المحرمات لأجله ونهى نفسه عن هواها وليوازن بين العوض والمعوض، فأيهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
8_ مشهد البلاء والعافية، فان البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها، فأهل البلاء هم أهل المعصية وان عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وان مرضت أبدانهم.
9_ التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه ان يتزود منها الى دار بقائه وخلوده أخس ما فيها وأقله نفعا إلا ساقط الهمّة، دنيء المروءة، ميّت القلب، فان حسرته تشتد اذا رأى حقيقة ما تزوّده، وتبين له عدم نفعه له، فكيف اذا كان ترك تزود ما ينفعه الى زاد يُعذّب به ويناله بسببه غاية الألم، بل اذا تزوّد ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له كان ذلك حسرة عليه.
-------------------------------------
المصدر : التربية الجنسية في الاسلام للفتيات والفتيان

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:01 am


طرق وأساليب التربية في الإسلام

يحتوي المنهج التربوي الإسلامي على طرق وأساليب عديدة في التربية، كلها تهدف إلى تهيئة الإنسان للتخلي عما يحمل من مفاهيم وأفكار لا تتناسب مع القيم الإسلامية، ولملئ الشخصية المسلمة بمجموعة من القيم التي يصبح بها الإنسان إسلاما مجسدا يسير في الطرقات، ومن هذه الطرق:
1. طريقة القدوة
الهدف من هذه الطريقة تحويل المنهج النظري إلى واقع عملي متجسد أمام الجميع، يتحرك على الأرض فإذا كان ذلك كذلك انفتح باب واسع للتأثير على السلوكيات المراد تغييرها، فالحق تبارك وتعالى أراد لمنهجه هذه الطريقة، فكان محمد (ص) التطبيق الصادق والحقيقي لهذا المنهج، فأصبح طريقا للآخرين كي يصلوا إلى المراد: (لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة).
فالطفل والشاب والكبير لديه استعداد كبير لمحاكاة الغير وتقليده بمجرد أن يتأثر به، فإن كان هذا الغير خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، ومن هنا ركز الإسلام على نصب القدوة، وحث الأب على أن يكون قدوة لأولاده، ولهذا قيل: "إن القدوة هي دائما قيمة موجبة، يحذف بإزائها قدر مساو من الجهد الذي يجب بذله".
فالأب والمعلم لا بد أن يكونا قدوة للأبناء والمتعلمين، ولا يكونان كذلك إلا أن يتمثلا بالمنهج الإسلامي الحق.
وتدخل الصحبة للطفل في هذه الطريقة، فقد دلت الدراسات على أن لها أثرا بالغا في نمو الطفل النفسي والاجتماعي، فهي تؤثر في قيمه وعاداته واتجاهاته.
وقال تعالى: (أولئك الذين هدى الله فبهدئهم اقتده قل لآ أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعلمين).
وقال أيضا: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبرهيم والذين معه).
فالإنسان له قدرة على محاكاة الآخرين، مما يسهل عملية التعلم بهذه الطريقة ما دام الإعجاب باقيا، ولا يحتاج إلى كثير جهد، فهي طريقة عملية ناجعة تفوق التعلم النظري للقيم، بالإضافة إلى الاستفادة من دافع الغيرة في الإنسان على تطبيق ما وصل إليه الآخرين من مدارج سلوكية وعملية.
2. طريقة الوعظ والإرشاد
قال تعالى: (يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور).
وقال تعالى: (إن الله نعما يعظكم به).
وطرق الموعظة تختلف، تارة تأتي من الكبير إلى الصغير: (وإذ قال لقمن لابنه وهو يعظه يبنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم).
وقد تأتي من الصغير إلى الكبير، كما في موعظة إبراهيم لأبيه، قال تعالى: (وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى أرئك وقومك فى ضلل مبين).
وقد تأتي من الحق تبارك وتعالى للجميع كما في موعظة الله لنوح، قال تعالى: (قال ينوح إنه, ليس من أهلك إنه, عمل غير صلح).
وأما مادة الموعظة فتستند إلى الإيمان بالله، وعدم الشرك به، الذي هي أهم القضايا، كما هو الحال في موعظة لقمان لابنه.
فالوعظ يحدث تأثيره إذا ما كان الواعظ أقرب إلى قلب المتعظ سواء كان أبا أو معلما أو صديقا.
3. طريقة القصة
هذه من أحب الطرق إلى قلوب الأطفال، بل والكبار أيضا، وأعطاها الحق تبارك وتعالى مساحة واسعة في كتابه العزيز؛ لما لها من إثارة لمشاعر القارئ وجدانيا، بحيث يتصور نفسه أحد رجالها، فتارة يدخل فيها كلاعب أساسي، وأخرى متفرج يريد أن يعرف النتيجة، وبكلتا الحالتين يصبح السلوك متأثرا بشكل أو ب آخر بمجرد تفاعله مع القصة، فالقصة لها محاكاة مع الوجدان والمشاعر والانفعالات، تؤثر في الإنسان بقدر تفاعله معها، فاستخدم القرآن القصص القرآنية بعناصرها المختلفة: الشخصيات، الأحداث، الزمان والمكان، طبيعة الحوار.
ولم تكن القصص القرآنية وسيلة للسرد واللهو بقدر ما هي طريقة للوعظ والإرشاد، والمتأمل في القصص القرآنية كقصة يونس، موسى، عيسى، نوح، ويوسف وغيرهما من القصص يجد أن عناصر القصة تركز على جوانب أخلاقية من العفة والعدالة والإحسان والصبر والأخلاق والصدق، ولعل هذه الطريقة تحتاج إلى دراسات متكاملة لبيان مناهج القصص في القرآن، وأساليب السرد وطريقة العرض، وأنواع هذه القصص، وكيفية التركيز على العناصر اللاعبة والأساسية في القصة القرآنية، والأهداف الكثيرة التي رمى إليها القرآن في هذه الطريقة، بحيث أعطاها هذه المساحة الواسعة في كتابه العزيز، ولعل هذا هو الطموح الذي نحمله في سبيل دراسة القصة القرآنية، ونتمنى أن يمنحنا الله القوة للنظر في كتابه واستخلاص العبر والدروس منه.
4. طريقة الأشباه والنظائر والأمثال
من الطرق الأساسية التي ركز عليها علماء التربية، هي طريقة إلفات النظر إلى العواقب والنتائج، واتخاذ مواقف سلوكية أو عقلية أو وجدانية منها، وهذه الطريقة كانت مرجوة ومقصودة من خلال ضرب المثل في القرآن الكريم؛ لأن المثل يهدف إلى تركيز وإلفات سامعه إلى النتائج والعواقب التي تؤدي إليها السلوكيات المتبعة في المثل، فمثلا عندما نقف أمام أي مثل من أمثال القرآن نجد أن هناك تركيز واضح على العلاقة بين عناصر المثل ونتائجه المترتبة على السلوكيات المتبعة فيه.
قال تعالى: (واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطن فكان من الغاوين* ولو شئنا لرفعنه بها ولكنه, أخلد إلى الأرض واتبع هوئه فمثله, كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بئايتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون).
فالتربية هنا قامت على أساس إثارة دافع غريزي وهو التنفير من هذه الصفة المذمومة للإنسان التي هي نتيجة للتكذيب ب آيات الله، ومن خلال استقباح هذه الصفة من قبل الإنسان بشكل شعوري أو غير شعوري يؤدي إلى استقباح الفعل المؤدي إليها.
ولم تقف طريقة التربية بالمثل عند هذا الحد، بل سعت إلى تحقيق أهداف كثيرة من خلال صور وسلوكيات أدت إلى نتائج سواء كانت على مستوى العقيدة أو على مستوى التحديد السلوكي المطلوب، عباديا كان هذا السلوك أو غير عبادي، فمثلا على مستوى العقيدة أزال القرآن الكريم الشك باليوم الآخر من خلال صورة لحدث معين أريد لها أن تكون مثلا للجميع.
قال تعالى: (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه, قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له, قال أعلم أن الله على كل شىء قدير).
وأما ما يتصل بالسلوك في بعض جوانبه حاول القرآن الكريم أن يزهد الإنسان بالدنيا، من خلال جعل قيمها قيم زائلة زائفة يجب أن لا تكون هدفا وغاية بل هي وسيلة فقط.
قال تعالى: (اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو).
وهناك أهداف سلوكية ركز عليها القرآن من خلال المثل، منها:
1. الترغيب في بذل المال في سبيل الله تعالى، قال تعالى: (مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشآء والله وسع عليم)؛
2. الإخلاص في العمل، قال تعالى: (والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان مآء حتى إذا جآءه, لم يجده شيئا ووجد الله عنده, فوفئه حسابه, والله سريع الحساب)؛
3. التربية على إشفاع العلم بالعمل، قال تعالى: (مثل الذين حملوا التورئة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفار بئس مثل القوم الذين كذبوا بئايت الله والله لا يهدى القوم الظلمين).
وهذا غيض من فيض من الدروس التربوية القرآنية من خلال ضرب المثل، والتركيز على نتائجه، بعد ما كان المثل في الأدب العربي فارغ المحتوى والمضمون حتى قيل بينهم "إن المثل يضرب ولا يقاس" وهذا خطأ بنص القرآن الذي أراد أن يعطي دروسا تربوية في العقيدة والسلوك وغيرها، فعلى المربين ان يهتموا بهذه الطريقة ويرشدوها باتجاه تربية جيل على أساس القرآن، ووفق منهجه.
5. طريقة الحدث
لم يترك القرآن الكريم وسيلة تؤدي إلى إحداث هزة في وجدان الإنسان وتهيئته لتقبل ما يعرض عليه إلا وعمل بها، ومن أهم هذه الوسائل، التربية عن طريق الأحداث التي يتم التخطيط لها، أو الأحداث التي لا مدخلية للإنسان في إيجادها، ففي أي حدث من الأحداث تتفاعل النفوس معه، وتتعاطى، بحيث تصبح جاهزة للتقبل، والمربي الناجح هو الذي يستغل الحدث لتوظيفة للمنهج التربوي الذي يتبعه، ولهذا نجد القرآن الكريم ألقى دروسا تربوية هامة عند الأحداث، فمثلا في يوم حنين عندما اغتر المسلمون بكثرتهم ودخلوا المعركة وخرجوا منها بالشكل الذي نعرفه استغل القرآن هذا الحدث وركز على أسباب الفشل وأعطى درسا تربويا رائعا في ذلك، فقال عز من قال: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين* ثم أنزل الله سكينته, على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكفرين* ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله غفور رحيم).
وكذلك في يوم أحد عندما فضل البعض الغنائم، وعرض الدنيا على توجيهات القيادة الإلهية، فحدثت الهزيمة، استغلها القرآن الكريم بقوله: (ولقد صدقكم الله وعده, إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنزعتم في الأمر وعصيتم من بعد مآ أرئكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين).
ومن خلال تتبع الأحداث التي جرت في صدر الإسلام في عهد النبي الأكرم (ص) نجد أن هناك توظيف كامل لكل حدث من الأحداث، مما يعطينا إشارة واضحة على نجاعة هذه الطريقة في التأثير والتغيير في سلوكيات البشر، فمثلا حالة الموت فكم ركز النبي الأكرم وعترته الطاهرة على هذه الحالة، والوقوف عندها، والتذكر واتخاذ العبر والدروس وما شابه ذلك، فيجب على كل من يهتم بأمور التربية والتعليم الاهتمام بالأحداث التي تمر ويجب توظيفها لخدمة المنهج التربوي، وما نسمعه اليوم من طرق التعلم عن طريق الخبرة أو طريقة المشروع في خلق الأحداث خير دليل على ذلك.
6. التربية عن طريق خلق العادات
كل فلسفة تحاول أن تجعل قيمها عادات يتصف بها المجتمع المحكوم من قبلها، الأمر الذي يؤدي إلى سهولة تقبل كل ما يلقى إليه إذا أصبحت أصول تلك الفلسفة عادات حاكمة، وهذه الطريقة تسهل عمل المربي كثيرا، وتجعل عمله أكثر مرونة في إلقاء القيم التي يريد تثبيتها، وأكد الإسلام على هذا الطريقة منذ الأزل، فهو لم يستخدم هذه الطريقة لتثبيت القيم وتحويلها إلى عادات ابتداء بل عالج أولا العادات السابقة، ومن ثم بذر القيم التي يريدها، واتبع طريقة المراحل في قلع جذور العادات القديمة، فلو أخذنا مثال تحريم الخمر نجده في المرحلة الأولى بين للناس أن فيه منافع وفيه إثم ولكن الإثم أكبر، فقال تعالى: (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما).
وفي المرحلة الثانية منع من التقرب إلى الصلاة في تلك الحالة أي حالة السكر، فقال عزوجل: (يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون).
وفي المرحلة الثالثة قلع جذور الخمر من الأساس بتشريع بند التحريم، فقال تعالى: (يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلم رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه لعلكم تفلحون* إنما يريد الشيطن أن يوقع بينكم العدوة والبغضآء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فهل أنتم منتهون).
فهذه الطريقة، أي طريقة المراحل في قلع العادات اتبعها القرآن في كثير من المحرمات كالخمر، والميسر، والرق، والربا، وهذا لا يمنع أيضا أنه اتبع طريقة الاستئصال الفوري لبعض العادات السابقة، كالشرك، ووأد البنات، والعادات الخلقية الذميمة، مثل الغيبة والغش وما شابه ذلك.
فالمرونة الكاملة في هذا الدين على استخدام الطرق التربوية المختلفة ساعدت بشكل كبير في تقبل مفرداته وقيمه من قبل مخاطبيه خصوصا في العصر الأول.
أما خلق العادات فقد اتبع الإسلام طريقة لغرس القيم بتحويلها من قيمة مطلقة إلى عادة متجسدة، فقد حثت الشريعة الإسلامية على الصلاة في سن الصغر كي يتعود الناشئ على ذلك بحيث تصبح الصلاة عادة وخلق يتصف به الطفل، قال رسول الله (ص): "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وأهم أبناء عشر..".
فطريقة خلق العادات يجب الالتفات إليها من قبل المسؤولين على الجانب التربوي واتباعها تطبيق مناهجهم، ولكن يجب التنبه أيضا إلى أن هذه الطريقة لا تخلو من مخاطر وذلك عن طريق تحويل العادات إلى أعمال آلية في حياة الإنسان، خالية من المحتوى والمضمون، وهذا يتم عندما تكون العادات فارغة من النتائج والأهداف.
7. طريقة الثواب والعقاب
من الطرق الناجعة تربويا هي طريقة الثواب والعقاب النابعة من رحم الترغيب والترهيب. والثواب هو مكافأة، والعقاب ليست نتيجة بل هو وسيلة فلا بد أن تحدد بحدودها، ومن هنا جعل القرآن الكريم هذه الوسيلة آخر الوسائل فقال تعالى: (والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).
فالوعظ والهجر سابق على الضرب، فأما الهجر فهو عقوبة معنوية، والضرب عقوبة جسمية، فالمربي عليه أن يحدد نوع العقوبة التي يستحقها المتربي، لا أن يساوي بين الجميع "فهناك طفل لا يحتاج إلى أن تعاقبه مرة في حياتك... فلم تعاقبه؟ وهناك طفل يرى في إعراضك عنه لحظة عقوبة قاسية لا يحتملها وجدانه... فلم تتجاوز معه لحظة الإعراض؟ أو تطيل عليه الإعراض؟ وطفل يبكي آلما إذا عبست في وجهه... فلم تتجاوز معه هذه الوسيلة الفاجعة؟ ثم هناك طفل لا يرعوي أبدا حتى يذوق العقوبة الحسية الموجعة... وأكثر من مرة".
فالقرأن الكريم ركز على هذه الطريقة: (من عمل صلحا فلنفسه ومن آسآء فعليها وما ربك بظلم للعبيد).
والعقوبة في التربية الإسلامية لها بعدان:
الأول: ردع المرتكب للعمل المرفوض وعدم تكراره مرة أخرى؛
الثاني: إخافة الغير ووعظه من سلوك الفعل المؤدي إلى العقوبة.
فلو اتبع القائمون على المنهج التربوي هذه الطريقة في عملهم لجنوا ثمراتها بشكل علمي ومدروس.
8. طريقة الاستثمار الممنهج
على المربي أن يستثمر وقت وطاقات المتربين بين يديه؛ كي لا تذهب هدرا، وهذا الاستثمار يجب أن يكون ممنهجا لا عشوائيا، فلا يمكن استثمار وقت وطاقة الطفل بالأسلوب الذي يستثمر فيه وقت وطاقة الشاب، وهكذا بالنسبة للمرأة، فلكل صنف أعماله الخاصة التي تنسجم مع روحيته وتوجهاته وتطلعاته، فإذا لم تستثمر هذه الجهود والطاقات في العمل الموجة تتجه تلقائيا إلى أعمال عشوائية قد تؤدي في نتائجها إلى ما لا يحمد عقباه.
وقد وضع الإسلام منهجا متكاملا لهذه الطريقة، فمثلا في الأطفال أوصى أمير المؤمنين (ع) تربيتهم واستثمار طاقاتهم وأوقاتهم وفقا لزمانهم "لا تقسروا أولدكم على أخلاقكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم"، فإجبارهم على نوع معين من العمل وتفريغ الوقت والجهد فيه، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماما.
وكذلك بالنسبة للكبار فقد وضع الإسلام منهاجا للطاقة وللوقت، وركز عليها، فلا يحق لأحد أن يستثمر طاقاته في أمور غير مشروعة لا تتماشى مع أهدافه وطموحاته.
9. طريقة المجادلة الحسنة
اعتاد المربون إلقاء المفاهيم والأفكار إلى تلاميذهم بشكل تلقيني خالي من روح المناقشة والمجادلة والمشاركة من قبل المتعلمون، وهذه الطريقة في التعليم التربوي أصبحت عقيمة غير فاعلة ولا منتجة؛ لأن التلميذ يصبح ببغاء يردد ما قاله أستاذه، وحتى الأستاذ لا يخرج عن كونه ملقنا فقط، أما طريقة المجادلة مفاعلة بين الطرفين فهي الطريقة المثلى في التربية التعليمية للأفكار والمفاهيم؛ لما فيها من إثارة لمشاعر التلاميذ، وإحساساتهم نحو المشاركة والمساهمة في الحصول على النتيجة، وبهذه المساهمة يصبح التلميذ مسؤولا عن النتائج التي يتوصل إليها وهذا ما ركز عليه الإسلام.
فاشتراك الجميع في الوصول إلى النتائج لا أن تحمل النتائج عليهم من أول الأمر، هو هدف بحد ذاته.
وفي ختام هذه الطرق نقول: إن هناك أساليب كثيرة جدا للتربية ركز عليها الإسلام أيضا واتبعها القرآن الكريم، تنضوي تحت هذه الطرق ومن هذه الأساليب على سبيل المثال لا الحصر:
1. أسلوب اللين والتلطف: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم)؛
2. أسلوب العقاب: (ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فسقون)؛
3. أسلوب التوبيخ: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون)؛
4. أسلوب التساؤل: (فسئلوهم إن كانوا ينطقون)؛
5. أسلوب المقارنة: (أجعلتم سقاية الحآج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الأخر وجهد فى سبيل الله لا يستون عند الله).

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:01 am


فلسفة الاخلاق في الاسلام

جعفر مرتضى
1- ان الاسلام يمتاز بالشمولية وبالعمق, وبانه كل مترابط لا يتجزأ.. وهذا يعني: ان التعرف على رأيه في اية قضية كانت يتطلب جهداً خاصاً وكبيراً, ومزيداً من البحث والدراسة والتمحيص, ولا سيما اذا لاحظنا ان كلام الله سبحانه, وكلام النبي (ص), وكلام الأئمة عليهم السلام دقيق وعميق, يحتاج الى المزيد من الدقية في فهم معانيه ومراميه, حتى ان تغير كلمة واحدة في جملة صغيرة لربما يغير المعنى تغييراً اساسياً له اثاره على الصعيد العلمي بشكل واسع.
ولأجل ذلك.. ولاجل عوامل اخرى, لا مجال لبحثها الان, نقول: انه ليس منطقياً – اذا اردنا معرفة الاسلام في قضية ما – ان نكتفي بمراجعة بسيطة وعابرة وساذجة لاية او لحديث او اكثر ثم اصدار الاحكام واعطاء النظريات والضوابط على انها هي كل رأي الاسلام في ذلك.
فمثلاً: العفو عن الاخرين, وان كان لا ريب في رجحانه على وجه العموم.. ولكن اذا اردنا تحري التفاصيل والجزئيات فيه, فاننا نحتاج الى مزيد من البحث, والمزيد من الدقة في الايات والروايات لنستخلص ممن, وعمن يكون العفو, وما هي غايته؟ وماهي اثاره على العافي, من جهة, وعلى المعفو عنه من جهة اخرى؟ وما هي اثار العفو على صعيد الواقع العام؟ وما هي شرائطه وحدوده ؟ وما هو مدى ربطه باخلاق وخصائص الانسان ؟ وكيف ؟ وهكذا...
ولاجل كل ما تقدم: فاننا سوف نكتفي في هذه العجالة بعرض سريع لما امكن فهمه فيما يرتبط بالاخلاق في الاسلام.. مع تأكيدنا على مسيس الحاجة للتوفر على دراسة هذا الموضوع بشكل اعمق, وبصورة اتم واوفى..
2- ان الانسان في مسيرته الحياتية, وفي كل حركاته, وافعاله, ومواقفه يحتاج الى دافع ومحرك, والى هدف وغاية.. ولا بد من التعرف على كلا الامرين من وجهة نظر الاسلام اولاً..
فامل بالنسبة للهدف والغاية.. فأننا نبادر الى القول: ان هدف الاسلام هو ايصال الانسان كفرد, وكأمة الى السعادة التامة والشاملة, والحقيقية, بكل ما لهذه الكلمات من مدلول ومعنى..
وهذه السعادة لا تنتهي بانتهاء حياة الانسان في هذه الدنيا, وانما تتجاوزها, لتكون دائمة وخالدة وابدية, ليست الدنيا الا مرحلة تهيؤ واعداد لها, حيث ينتقل الانسان منها الى مرحلة اخرى, اكبر وأوسع تتجسد فيها انسانية الانسان, ليعيش واقعه واصالته, بحيوية وواقعية وعمق..
(يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً, فملاقيه).
نعم.. هذا هو الهدف, وهذه هي الغاية بنظر الاسلام. وادراك ذلك وادراك كثير من خصوصياته انما هو من معطيات العقل النظري ليس الا..
وواضح: ان الهدف والغاية من الفعل دوراً اساسياً في كون الفعل اخلاقياً اولا. فالعمل المعبر عن الشجاعة قد يكون لاذلال الاخرين, والتعدي عليهم, وقد يكون لاحقاق الحق, والدفع عن المستضعفين. كما ان بذل المال مثلاً, حين يقصد بها الرياء والسمعة, او اذلال الاخرين واستبعادهم او ليشوه حقيقة, او ليقتل انساناً, او شعباً – ولذلك الكثير من الشواهد التاريخية – انه حين يكون كذلك, فانه يكون عملاً منافياً للاخلاق ومضاداً لها.
واما ان كان لعاطفة جاشت بسبب رؤية عجز وحاجة وضعف الاخرين, وليس وراء ذلك اي شي اخر, فهو من قبيل عواطف الام تجاه ولدها حسبما قدمناه. اما اذا كان لله سبحانه وفي سبيله, ولمحض رضاه, فانه يكون عملاً اخلاقياً, يستحق فاعله الاجر الجميل والثواب الجزيل.. قال تعالى وهو يمدح امير المؤمنين, والزهراء, والحسنيين عليهم السلام على اطعامهم اليتيم, والمسكين والاسير, في حين انهم عليهم السلام كانوا بأمس الحاجة الى ذلك الطعام حيث انهم كانوا يصومون تلك الايام, ولايجدون الا الماء ليفطروا عليه – قال تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً, ويتيماً واسيراً, انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكور انا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا, فةقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً, فجزاهم بما صبروا جنة وحريراً).
وقال تعالى في موطن اخر: (الذين امنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وانفسهم اعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون).
وقال تعالى: (والذين امنوا وهاجروا في سبيل الله, والذين امنوا ونصروا اوئلك هم المؤمنون حقاً).
والايات والروايات التي تدخل في هذا المجال كثيرة جداً لا مجال لاحصائها.
وبالنسبة للامر الثاني, وهو الدافع والمحرك, فاننا نقول: ان من الطبيعي ان تكون اطروحة الاسلام في مجال الدفع, وتنظيم الحركة نحو ذلك الهدف منسجمة مع نظرته تلك, ومع حجم المسؤولية التي يتحتم عليه الاضطلاع بها في هذا المجال.. الامر الذي يعني: انه يقيم علاقات الانسان بالدنيا, وبكل ما يحيط به, وحتى بنفسه تقييماً صحيحاً, يعطيها حجمها الطبيعي, الذي ينسجم مع حجم الدور الذي يؤهله الله للقيام به, في مسيرته نحو هدفه الاسمى في حياته الخالدة والدائمة والباقية.
وواضح: ان الانسان تارة ينساق نحو ايجاد فعل من نوع ما في الخارج, بدافع العاطفة, كما في اندفاع الام لارضاع طفلها, واخرى ينساق الى ذلك استجابة لامور طبيعية, او غريزية كداعي غريزة الجنس, او دافع الجوع, او العطش, او نحو ذلك, فيأكل ويشرب ويمارس الجنس ... الخ وقد يكون العقل هو الذي يدرك المصلحة في عمل ما فيصدر الامر للارادة للتحرك نحو ايجاد ذلك الفعل, حتى ولو كان ذلك على خلاف المشاعر العاطفية, والمتطلبات الغريزية فعلاً.. فنجد الام تقدم على اجراء عمليات جراحية لولدها ولو ببتر احد اعضائه لتنجيه مما هو اقصى وادهى, رغم ان ذلك لا ينسجم مع انفعالاتها العاطفية, وميولها ورغباتها الطبيعية.. وكذلك فيما يرتبط بالاقدام على شرب الدواء المر من اجل الحصول على الشفاء.
وذلك لان العقل قد اوضح لها: ان الاقرب الى حفظ ولدها وسعادته وكماله هو هذا الفعل بالذات, والشواهد على ذلك كثيرة.
وعلى هذا الاساس.. فان العقل لابد وان يكون هو المهيمن على جميع القرارات والتصرفات التي يكون الدافع اليها هو الرغبات والعواطف والنزعات الغريوية والطبيعية, فهو المبدأ, واليه المنتهى, وهو صاحب القار النهائي, الذي يصدر تعليماته للارادة سلباً او ايجاباً وعليه ان يستفيد من هذا الرصيد العاطفي, والطبيعي الغريزي – كالحب والجمال, والشجاعة والجنس, وغير ذلك – في مجال تنفيذ احكامه وتطبيق قراراته التي تقوم على اساس ادراكه للواقع الموضوعي وترجيحاته فيما بين المصالح والمفاسد التي يواجهها ويوجهها بمساعدة العقل النظري نحو الهدف الاقصى, وهو المولى جل وعلا: (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه)..
واما اذا كان لا بد من اطلاق العنان لتلك الرغبات والغرائز, والعواطف والميول, واعتبار الاعمال والمواقف التي تنشأ عنها – بمفردها – من الاخلاق..
واذن.. فقد يقتل الانسان المئات او حتى الالف والالاف من الاشخاص في ساعة واحدة, كما فعل رسول الله (ص) في بني قريظة ويكون عمله اخلاقياً.. ثم هو في نفس الوقت يذوب حناناً وعطفاً على من قتلهم بالذات, حتى ليعاتبه الله على شدة حزنه على اعدائه الذين اخرجوه, وحاربوه, ويبغون له الغوائل : فيقول: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات), ويقول: (فلعلك باخع نفسك على اثارهم, ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا)..
كذلك بالنسبة لمواقف الحسين عليه السلام, وتقديمه اصحابه, واولاده واهل بيته ونفسه ضحايا في سبيل اعزاز الدين , واعلاء كلمة الله سبحانه..

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:02 am


فليكن المؤمن عزيزاً

* د. أحمد الشرباصي
"العزة" كلمة فيها معنى القوة والشدة والغَلَبة، والعزيز: هو الغالب لسواه، ولذلك عرّف القدماء العزة بأنها صفة مانعة للانسان من أن يغلبه غيرُه، وكلمة "العزة" مأخوذة من قول العرب: أرض عَزَاز، أي صلبة، ويقال: عزَّ فلان، إذا برئ وسلم من الذل والهوان، والمادة كلها توحي بمعاني القوة والشدة والارتفاع والامتناع، فيقال: عزّني فلان، أي غلبني، ومنه قول القرآن الكريم: (وعزّني في الخطاب). ويقال: عز على نفسي غيابُك، أي صعب، ومنه قول القرآن (عزيز عليه ما عنتم)، ويقال: عزَّ الوفاءُ بين الناس، أي قلَّ وجوده، ومنه قول القرآن: (وإنه لكتاب عزيز) أي يصعب مناله ولا يوجد مثاله.
ومن أوصاف الله تعالى وأسمائه: "العزيز" أي الغالب القوي، الذي لا يغلبه شيء، وهو أيضاً "المعز" الذي يهب العزة لمن يشاء من عباده، وقد تكرر وصفُ الله تعالى بوصف "العزيز" في القرآن ما يقرب من تسعين مرة.
وقد أشار كتاب الله المجيد إلى أن العزة خُلُق من أخلاق المؤمنين التي يجب أن يتحلوا بها، ويحرصوا عليها، فقال: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)، وقال عن عباده الأخيار: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، وقال: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم). والشدة على الكافرين تستلزم العزة وقال: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين). وهذا يقتضي أن يكونوا أعزاء.
وهذه الآية الأخيرة تُفهمنا أن كتاب الله جل جلاله يعلِّم المؤمنين (إباءَ الضيم)، وهو خُلُق يفيد معنى الاستمساك بالعزة والقوة، والثورة على المذلة والهوان، وإذا كنا قد عرفنا أن القرآن قد كرر وصفَ ذات الله القدسية بصفة "العزيز" ما يقرب من تسعين مرة، فكأنه أراد بذلك ـ وهو أعلم بمراده ـ أن يملأ أسماعَ المؤمنين بحديث العزة والقوة، فإذا ما سيطر عليهم اليقينُ بعزة ربهم استشعروا القوةَ في أنفسهم، واعتزوا بمن له الكبرياء وحده في السماوات والأرض، وتأبوا على الهوان حين يأتيهم من أي مخلوق، وفزعوا إلى واهب القُوَى، يرجونه أن يُعزهم بعزته، وكأن الله عزوجل قد أراد أن يؤكد هذا المعنى في نفوس عباده حين جعل كلمة "الله أكبر" تتردد كل يوم في أذان الصلاة مرات ومرات، ثم يرددونها في صلواتهم كل يوم مرات ومرات، فتشعرهم بأن الكبرياء لله جل علاه، وأن عباده يلزمهم أن يلتمسوا العزةَ من لدنه، وأن يستوهبوا القوة من حماه: (مَن كان يريد العزة فلله العزة جميعاً، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد، ومكر أولئك هو يبور)، (قل الله مالك الملك، تؤتي الملك مَن تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز مَن تشاء وتذل مَن تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير).
ولقد أراد القرآن المجيد أن يَهدي المؤمنين إلى الطريق الذي يصون لهم العزة، ويحصنهم ضد الرضا بالهوان، أو السكوت على الضيم، فأمرهم بالإعداد والاستعداد لحفظ الكرامة والذود عن العزة، فقال لهم: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) لأن القوة تجعل صاحبَها من موطن الهيبة والاقتدار، فلا يسهل الاعتداءُ عليه من غيره من الضعفاء.
وعلّمهم القرآن الإقدامَ والاحتمال والثبات في مواطن اليأس، موقنين أن الله معهم، فقال لهم: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله عليماً حكيماً).
وفي موطن آخر يقول لهم: (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم).
وليس هذه دعوةً إلى بغي أو طغيان، وإنما يعوّد القرآن أتباعَه أن يكونوا أولاً على حيطة وحذر، فيقووا أنفسهم بكل وسائل التقوية والتحصين، حتى يكونوا أصحابَ رهبة في نفوس أعدائهم، وإلا تطاولوا عليهم وعصفوا بهم، ومن هنا قال: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)، ويقول: (وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً)، ويقول: (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم).
وإذا شاءت الأقدار يوماً أن يلتقي المؤمنون في معركة مع الكافرين، فالواجب حينئذ على كل مؤمن أن يظل عزيزاً قوياً، وأن يثبت على مبادئه وعقائده، لا يخيفه الألمُ ولا التعب، بل يبذل جهدَه وطاقته، مستخدماً كل ما أعده قبل ذلك من سلاح وعتاد، واثقاً أنه مربوط الأسباب بالله القوي القادر؛ وإذا شاء الله تعالى له لوناً من ألوان الاختبار والابتلاء، تحمله راضياً صابراً، محتفظاً بعزته وكرامته وشهامته، موقناً بأن احتمال الألم خيرٌ ألفَ مرة من التخاذل والاستسلام: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).
والاسلام ـ مع هذا ـ يدعو أتباعه إلى السلام العادل المنصف، الذي لا ينطوي على ضيم أو ذل، ويدعوهم أن يغفروا الهفوة اذا كانت عن غير تعمد أو كانت لا تبلغ مبلغَ الإهانة، أو لا تخدش العزةَ والكرامة، أما إذا كانت الخطيئة بغياً فعلاجُها الرد عليها بما يغسل العار، ويدفع الضيم، ويصون الكرامة، ولذلك يقول التنزيل المجيد: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم). ولذلك كان عمر بن الخطاب (رض) يقول: "يعجبني من الرجل إذا سِيمَ خطةَ خسفٍ أن يقول: لا بملء فيه".
ولم يكتف القرآن العزيز بتحريض المؤمنين على إباء الضيم وإيثار العزة تحريضاً يقوم على الأمر الصريح أو التوجيه المباشر، بل عمد إلى ضرب الأمثال من الأمم السابقة التي استجابت لدعوات الحقن وتابعت رسلَ الله جل جلاله، واستشعرت العزةَ، وتمردت على المذلة، فكان جزاؤها كريماً، وثوابها عظيماً، حيث خاضت المعارك من أجل عقيدتها، ومبدئها، ولم تَهِن أو تضعف، بل صبرت وصابرت، وكافحت وناضلت، حتى ظفرت وانتصرت، وذلك فضل الله القوي الذي يحب الأقوياء الشرفاء، العزيز الذي ينصر مَن استمسك بالعز والإباء، يقول القرآن: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسنَ ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين).
* * *
وفي نور النبوة الرائع ما يهدي أتباع محمد عليه الصلاة والسلام إلى منهج الشرف وطريق الكرامة وصراط العزة، فإن هذا الهدي النبوي الكريم يعلم الانسان أن لا يرضى الدنية في دينه ولا في دنياه، بل يحفظ لنفسه حقها ويذود عن هذا الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإن مات دونَهُ فهو شهيد، وإن فاز وانتصر عاش عيشةَ الأحرار، وباء أعداؤه بالسعير وبئس القرار.
جاء رجل إلى رسول الله (ص) وقال له: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجل يريد أخذَ مالي (أي اغتصاباً). قال الرسول: لا تعطيه. قال الرجل: أرأيتَ إن قاتلني؟ قال الرسول: قاتله. فقال الرجل: أرأيت إن قتلني؟ قال الرسول: فأنت شهيد. فقال الرجل: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال الرسول: هو في النار.
ولقد تردد في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام صوتُ الدعاء إلى العزة وإباء الضيم، فقال: "مَن تضعضعَ لغنيٍّّ لينال مما في يده أسخطَ الله".. وفي رواية: "مَن جلس إلى غني فتضعضع له الدنيا تصيبه ذهب ثلثا دينه، ودخل النار".. وقال: "اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير".. وقال: "إن الله يحب معاليَ الأمور ويكره سَفسافَها".. وقال: "مَن أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مُكرَه فليس منا".
والعزة ليست تكبراً أو تفاخراً، وليست بغياً أو عدواناً، وليست هضماً لحق أو ظلماً لانسان، وإنما هي الحفاظ على الكرامة، والصيانة لما يجب أن يصان، ولذلك لا تتعارض العزة مع الرحمة، بل لعل خير الأعزاء هو مَن يكون خيرَ الرحماء، وهذا يذكرنا بأن القرآن الكريم قد كرر قوله عن رب العزة: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) تسع مرات في سورة الشعراء، ثم ذكر في كل من سورة يس والسجدة، والدخان وصفَي: (العزيز الرحيم) مرة.
ثم إن أغلب المواطن التي جاء فيها وصفُ الله باسم "العزيز" قد اقترن فيها هذا الاسم باسم "الحكيم". والحكيم هو الذي يوجد الأشياء على غاية الإحكام والضبط، فلا خلل ولا عيب.
وكما تكون العزة خُلُقاً كريماً ووصفاً حميداً، إذا قامت على الحق والعدل واستمدها صاحبُها من حمي ربه لا من سواه: (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً).. تكون العزة الكاذبة أو الضالة خلقاً ذميماً حين تقوم على البغي والفساد، ومن ذلك النوع قوله الله تعالى: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) فعزة الكافرين تعزز كاذب، ولذلك جاء في الحديث: "كل عز ليس بالله فهو ذل". ومن ذلك أيضاً قوله تعالى عن بعض الضالين: (أخذته العزة بالإثم) والعزة هنا مستعارة للحمية الجاهلية والأنفة الذميمة، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً) أي يحاولون التمنع بهم من العذاب: وهيهات، وهيهات.
ورضوان الله على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين أراد أن يوطد في نفس أبي ذر الغفاري قواعدَ العزة، عندما أرغمه بعضُ حكام عصره على شدة تعرض لها، فقال: "يا أباذر، إنك غضبتَ لله فارجُ مَن غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتَهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتَهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم مَن الرابحُ غداً، والأكثرُ حُسَّداً، ولو أن السماوات والأرض كانتا على عبد رَتقاً، ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجاً، لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبُّوك، ولو قرضت منها لأمِنُوك". أي لو ذللتَ ونلت من متاع الدنيا لما خافوك.
إن العزة ميراث المؤمن، فليحرص كل مؤمن على ميراثه.

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:02 am



كيف تربي الأمم الحية أخلاق ابنائها


د. أسعد حومد

(كنتم خير أُمةٍ أُخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون بالله، ولو آمن أهل الكتابِ لكان خيراً لهم، منهُم
المؤمنون وأكثرُهُم الفاسقون)
تتعرض الأمم في مسيرة حياتها إلى أخطار كبيرة، منها العارض الزائل، ومنها الملحُ المدمّر، وليس في العالم كلّه أمة لم تتعرض لمثل هذه الأخطار. فإذا كان الخطر جسيماً لا قِبَلَ للأمة به، فإنها قد تلجأ إلى مَن حولها من الأمم والأقوام التي تشاركها الحياة والمصير فتعقد معها محالفاتٍ لمواجهة الخطر المشترك الذي يتهدّدُهم جميعاً، ولكنها ربما لا تجد من يَقبلُ بمساعدتها إلا بشروط ثقيلة لا قِبلَ لها باحتمالها، فتجلو عن أرضها، وترتحل إلى مكان آخر يتوفر لها فيه الأمن، وقد تفضل البقاء والخضوع للغزاة إذا لم تجد بدّاً من ذلك.
وقد تفضل مواجهة المصير أية كانت عواقبه، لأنها تجد في الخضوع للطغاة بلاءً يفوق في قسوته الموت في سبيل الدفاع عن الشرف والعرض والمصير.
وسواء وجدت الأمة من يساعدها على مواجهة الصعاب التي تتعرض لها، أم لم تجد، فإنها لا بدّ لها من الاعتماد على نفسها قبل كل شيء، وفرض التضحية على أبنائها، باستنهاض همم الرجال وإذكاء حماس الأبطال، واستثارة النخوة الكامنة في نفوس الأجيال، وإعداد الناس جسميّاً ونفسياً لتحمل أعباء الدفاع عنها، ليكونوا سيفها الذي تضرب به، وترسها الذي تتقي به الأذى، فيندفع الناس يملأ الحماس قلوبهم، ويضاعف الإيمان قوتهم، ويتسابق الأبطال ذوو النجدة والشهامة إلى ميدان المعركة ليذودوا عن حياض الوطن، ويردوا الأذى عن الأهل والعشيرة، غير عابئين بالأهوال والمخاطر.
وللأمم طرائق شتى وأساليب مختلفة في استنهاض همم الرجال، وحثّهم على الإقدام، تختلف باختلاف مستواها الحضاري، وباختلاف ثقافتها وعاداتها، وتماسكها الاجتماعي، وما تعتبره مقدما في الحرمة والقدسية على غيره.
فقد كان العرب قبل الإسلام أكثر الناس اهتماماً بالحفاظ على العرض والحُرُمِ والسمعة، سمعة الشخص، وسمعة العشيرة، فكان من عاداتهم أن يصطحبوا النساء إلى ميادين القتال، اعتقاداً منهم أنه لا شيء يمكن أن يثير نخوة المقاتلين، ويدفعهم إلى الثبات والتضحية، مثل وجود النساء والذرية وراء المقاتلين، ومن كان يفرُّ منهم مخلفاً حَرَمَه وأولاده لأعدائه، كان يبوء بسبَّة الدهر، ولم يكن عربي ليرضى بذلك. وقد اصطحبت زعامات قريش نساءها يوم بدر، حينما التقوا بالمسلمين، وأنشدنهم شعراً حماسيّا، ومنع وجودهن في ساحة المعركة خسران قريش في تلك المعركة من أن ينقلب إلى هزيمة شاملة.
وساقت هوازن الحُرُمَ والأبناء والأموال لقتال الرسول في معركة حنين، وفي ظنها أن المقاتل من أبنائها لا يمكن أن يفر من المعركة مخلفاً أهله وحرمه وماله للمسلمين.
ومن الأمم من كانت تصطحب معها إلى ميادين الحروب تماثيل آلهتها تبركاً بها، وإثارة لحماس المقاتلين، وحثّاً لهم على الثبات دفاعاً عن المقدسات لكيلا تقع في أيدي الأعداء.
وفي أول ظهور الإسلام جرت حرب بين الفرس والروم، فدفع ملك الروم هرقل بالصليب الأكبر أمام المقاتلين تبركاً به، وحثّاً لهم على الثبات.
وفي الحديبية، حينما شاع أن قريشاً قتلت عثمان بن عفان، أخذ الرسول البيعة على أصحابه، لكيلا يهنوا أمام قريش، إذ كان عددهم قليلاً، ولم يكن معهم من السلاح غير السيوف. فأراد الرسول الكريم بهذه البيعة أن يشعرهم بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وبأنهم حينما كانوا يبايعون الرسول إنما يبايعون الله: (إنّ الذينَ يُبايعونَكَ إنّما يبايعونَ الله يَدُ الله فوقَ أيديِهِم...).
وألفَ الوعاظ المسلمون أن يذكروا المقاتلين المسلمين في بدء الحرب بفضل الشهادة في سبيل الله، وبغضب الله على من يفرّ من المعركة مولياً دبره لأعدائه. ويقرؤون عليهم القرآن، وبصورة خاصة سورة الأنفال التي يتهدد الله فيها ضعاف الإيمان بالعذاب الأليم، ويبشر فيها المجاهدين الصادقين برضوان من ربهم وأجر عظيم.
وكان سلطان المماليك محمد الناصر حيثما يلتق بجيوش التتار يلجأ إلى أخذ العهد على أمراء جيشه بأن يناصحوا في القتال، وألاّ يفروا، وأن يبذلوا المهج في سبيل نصرة دين الله ويحلفهم الأيمان المغلظة توكيداً لهذه العهود.
وجميع هذه الأساليب كانت آنية المفعول، الغرض منها تثبيت المقاتلين في أثناء المعركة، وحملهم على بذل الجهد في القتال وعدم الفرار.
ولكن الأمم قد تتعرض لأخطار الحرب والغزو أمداً طويلاً، كما كان الأمر في الأندلس بين العرب المسلمين والإسبان طوال ثمانية قرون، وكما كانت الحال بين المسلمين ودولة الروم البيزنطيين عبر قرون طويلة، وكما كان الحال بين المسلمين والصليبيين في سوريا طوال مئتي عام، وكما سيكون عليه الحال بين العرب واليهود في عصرنا الحديث.
فالأمر هنا يحتاج إلى أكثر من معركة، وإلى أكثر من عامل آني يحمل المقاتلين على الثبات وعدم الفرار من المعركة، إنه يحتاج إلى إعداد الأمة نفسياً وجسمياً واقتصادياً، لتقبل التضحية مدى طويلاً من الزمن وإعداد أجيال متمرسة بالقتال، محبة للتضحية، شغوفة بالمغامرة، مستعدة نفسياً وجسمياً لتحمل الجوع والحرمان والعطش، وتحمل المصائب في الأبناء والآباء والأزواج والأقرباء، وهذا أمر يحتاج إلى كثير من الجهد والمران. فالناس لا ينقلبون بين عشية وضحاها من أناس محبين للترف والدعة إلى أناس يصبرون على الجوع، ومن أناس لا يهتمون إلا بأنفسهم إلى أناس يهتمون بمصير قومهم ووطنهم وأهلهم، يحملون السلاح، ويتدربون على استعماله، ويحتملون ثكل الأبناء، وفقد الأزواج، وهدم البيوت، وهذا هو هدف حملات التوجيه المعنوي اليوم، التي من شأنها إذا استمرت وأتقنت وأحسن أداؤها أن تُعدّ الأجيال الآتية للحرب وللتضحية، وأن توقظ الهمم النائمة، وأن تكشف البطولات الكامنة، وأن تدفع بالرجال إلى الامتياز في ميادين الحرب، والاقتداء بالأبطال، والمشاركة الإيجابية مع أبناء الأمة في كشف الغمة عن وجه الوطن، ورد الأذى عنه.
وقد عرفت الأمم منذ أقدم عصورها تكريم الأبطال، وتقديسهم، ونسج القصص وتزويقها حول سيرتهم، والمبالغة في نسبة الخوارق، والمغامرات المثيرة إليهم. وبما أن الكتابة لم تكن كثيرة الانتشار قديماً، لذلك كانت الأمم تلجأ إلى صوغ قصص الأبطال شعراً في صورة ملاحم ومعلقات، يسهل على الناس حفظُها وروايتُها وتناقلها من قطر إلى قطر، ومن منطقة إلى منطقة، ومن جيل إلى جيل، فعرفت اليونان القديمة ملاحم البطولة التي كان من أبرزها ما سطره شعراء اليونان وفي مقدمتهم الشاعر الكبير هوميروس، الذي ضَمّنَ الإلياذة والأوديسة قصصاً رائعة عن البطولات والتضحيات.
وعرفت القبائل العربية قبل الإسلام قصص البطولة التي خلدها الأبطال في شعرهم، أو خلدها شعراء عرفوهم وعاصروهم، فامتدحوهم وسجلوا مناقبهم. وإننا لنجد الكثير من شعر الحماسة والفخر في شعر عنترة وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد. ولبيد، والشنفري، والخنساء، وحسان بن ثابت.
واستمرت قصص البطولات يرويها الشعراء في صدر الإسلام، وفي أيام الدولة الأموية، وفي أيام دولة بني العباس، ونجد كثيراً من الشعر المثير الجميل في أيام بني أمية وبني العباس.
وحينما تحدّى إمبراطور الروم المسلمين أيام الخليفة المعتصم، ساق الخليفة المعتصم جيوشه إلى عمورية مسقط رأس الإمبراطور، وأحدق بها وفتحها عنوة وأحرقها وسبى من فيها، وقتل وغنم ما يجلُّ عن الوصف، وخلد الشاعر العربي أبو تمام هذه المعركة في قصيدته الرائعة:
السيف أصدق إنباءً من الكتبِ في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
وحينما بدأت الدولة العباسية في التضعضع، وتسلط عليها الجند المرتزقة من غير العرب، بدأت علائمُ الوهن والتفكك ظاهرة عليها، وقامت إمارات وممالك شبه مستقلة فيها، لا تخضع لرأي الخليفة في شيء، ولا تعترف له بغير التبعية الإسمية، وهي الدعوة للخليفة على المنابر، أما فيما عدا ذلك فكانت هذه الإمارات والممالك تتعامل مع جيرانها من مسلمين وغير مسلمين، وكأنها دول مستقلة.
وفي تلك الفترة استيقظت دولة الروم من سباتها، وأرادت اغتنام الفرصة في العرب المسلمين، لاسترجاع ما فقدته قبل ذلك بثلاثة قرون، فاندفعت تشدد النكير على من حولها من الحكام المسلمين، وتنتزع الحصون والمدن منهم، حتى استرجعت الكثير.
وكان من أهم منطقة تماس بين الإمبراطورية الإٍسلامية والإمبراطورية البيزنطية، يقوم أمير حلب الهمام سيف الدولة بن حمدان، الذي امتدت إمارته على طول خط المواجهة مع الروم من ديار بكر شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط في منطقة إسكندرون وأنطاكية غرباً، وكانت مناطق إمارته قد أنهكتها الحروب المتواصلة مع المسلمين وغير المسلمين، وأقفرت كثير من مناطقها من سكانها.
وكان على هذا الأمير أن يذود عن حوزة العرب والإسلام بقدراته المحدودة، وأن ينتصف من الروم المندفعين بكل قواهم.
ولم يكن لسيف الدولة من يساند جهاده من أعوانه المسلمين، بل إنه كان يعاني الكثير من ثورات الأعراب في إمارته، ومن هجمات الفاطميين الذين يحتلون دمشق على أرضه، ومن هجمات القرامطة وغيرهم من المنشقين. ولذلك فإنه كان في وضع غير متكافيء مع الروم، ومع ذلك كان ببعد همّته، وفرط شجاعته، مِجَنّاً يردُّ الأذى عن إمارته وعن ديار العرب والإسلام، ويأسر ملوك الروم وبطارقتهم ويفتح حصونهم وقلاعهم، ويدوس أرضهم شاتياً وصائفاً، ويتوغل في أراضيهم مسافات شاسعة، لم يتعب من جهاد، ولم يمل من حرب.
على أنه كان يخسر أحياناً، ولكن ذلك لم يكن ليفتّ في عَضُده، ولا ليُضعِف من عزيمته، ولم يكن ليترك الهزيمة تُدخل اليأس إلى قلوب جنده وقادته، إذ كان سرعان ما يستعيد نشاطه الحربي ويسرع في الاستعداد للأخذ بالثأر، ومعاودة الكرة على الروم.
وكان حول سيف الدولة وفي بلاطه عشرات من الشعراء يخلدون انتصاراته ووقائعه، ويفخرون بجهاده، فطار ذكره في البلاد الإسلامية كلها، وكان لذلك أكبر الأثر في تقاطر المجاهدين المتطوعين من جميع أنحاء الأرض الإسلامية إلى حلب لينضووا تحت لواء سيف الدولة، والجهاد معه.
ثم جاء الغزو الصليبي في أواخر القرن الخامس لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم "الحادي عشر الميلادي"، فأغرق الشرق في الآلام، وأحرق ودمر وخرب، وكان غزوا استيطانياً، أراد الاستقرار في ساحل سوريا، وإقامة دولة له ثابتة الأركان، وطرد العرب منها.
وفشلت جيوش عظيمة الإعداد في دفعه والقضاء عليه، ساقتها السلطنة السلجوقية، التي كانت أملاكها تمتد من فارس حتى حدود مصر، ثم تفسخت هذه الدولة العظيمة، وقامت تحت كنفها إمارات صغيرة تنزع إلى الاستقلال، وعانت الإمارات المحلية، في سوريا والجزيرة وفلسطين من بلاء الصليبيين الشيء الكثير. وكان أكبر بلاء تعرضت له هذه الإمارات هو الرهبة التي أحدثها الفرسان الصليبيون ذوو العُدَدِ الثقيلة في نفوس المقاتلين المسلمين، فكانت بعض الجيوش الإسلامية تهرب من اللقاء قبل أن يبدأ الالتحام، من قلة من الفرسان الصليبيين، تقلُّ كثيراً عن أعدادهم.
وانتصف بعض الأمراء الأتراك والتركمان من الصليبيين في معارك متفرقة، ولكن تلك الانتصارات المحدودة لم تقض على هيبة الصليبيين في نفوس المسلمين، ولم تخلق في نفوس الناس حماساً يدفعهم إلى الإقدام والامتياز في ميدان الحرب، وكانوا في أكثريتهم يذهبون إلى الحروب ونفوسهم تستشعر الخوف والخذلان.
وكانت الخلافات بين الإمارات الإسلامية أشدّ بلاءً على المسلمين من بأس أعدائهم، إذ كانت تلك الخلافات والنزاعات تستنفد قواهم، وتُضعِفُ قدراتهم، كما كانت تُدخِل الوهن واليأس إلى نفوس المقاتلين المسلمين. وصار الصليبيون يستطيلون على المسلمين، ويهددون أمهات المدن السورية "حلب ودمشق وحمص وحماة"، وركزوا اهتمامهم على حلب بصورة خاصة، إذ كانت تؤلف عقدة المواصلات بين أوروبا والشرق، وإذ كانت همزة الوصل بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه وجنوبه، وإذ كانت الأحوال فيها مضطربة منذ أن توفي ملكها رضوان بن تتش، أشرفت على السقوط في أيديهم أكثر من مرة، ودفعت لهم الجزية في بعض الأحيان.
واستمرت الحال على هذا الشكل المحزن حتى عهد السلطان محمد السلجوقي، فعهد بإمارة الموصل وحلب إلى عماد الدين بن زنكي، فخف إلى حلب ورتَّب أمورها، وقوّى حصونها، وشدّد من عزائم الشعب بما وعده به من النصرة، والاهتمام بأمر حلب، وعاد إلى الموصل يجمع الجيوش والمتطوعة، ليبدأ حكمه في سوريا بغزوة كبرى، لا يكتفي فيها بنصر محدود، ومغانم تافهة، كما كان يتم قبل ذلك، وإنما أراده نصراً حاسماً يردُّ الثقة إلى نفوس المسلمين، ويضعف ثقة الفرنج بفرسانهم وتفوقهم، ويجعل هذا النصر فاتحة عهد جديد لاسترداد ما سبق أن أخذه الصليبيون.
وبعد أن استعد استعداداً كبيراً، خرج إلى حلب ومنها إلى حصن الأتارب، وهو حصن يقع غربي حلب ولا يبعد عنها بأكثر من ثلاثين كيلومتراً، يريد إزالته، لأن فرسانه أرهقوا حلب وأهلها بغاراتهم، وقاسموهم محاصيلها.
وانتشر الفقهاء بين المقاتلين يحثونهم على الثبات وعلى حب الاستشهاد في سبيل الله ونصرة دينه، ويقرؤون القرآن ليثبتوا قلوب الناس، واندفع عماد الدين أمام جيشه يخوض المعركة، وهو مصمم على النصر أو الشهادة. وكان عماد الدين من أبرع الناس في الفروسية واستعمال السلاح، ومن أعظم الرجال جرأةً وشجاعة وحزماً، فسرتْ شجاعته وروحه إلى نفوس قادته ورجاله، فاستقتلوا مثله، فتراجع الفرنج عن الحصن، واستسلم من فيه للمسلمين، فأمر عماد الدين بإخرابه، لكيلا يفكر الفرنج مرة أخرى في استرداده وإعماره. وأراد بعض قادته الاكتفاء بهذا النصر المحدود، فقال لهم: لا ينبغي لنا أن نكتفي بهذا النصر البسيط، فقد يعاود الفرنج الكرة وينتصرون على المسلمين، وهم على غير استعداد، فتزول آثار هذا النصر من نفوس الناس، وتضعف معنويات المسلمين. وقال لهم أيضاً: إننا اليوم في جيش ضخم، وقد أرهبنا العدوّ، وأجبرناه على التراجع وتسليم الحصن، فعلينا أن نستغل هذا النصر أفضل استغلال، وأن نذيق العدوّ بأسنا، ونفوسنا مستشعرة الظفر فيذكر ذلك أبداً ولا ينساه وليسمع المسلمون بما قمنا به من تدمير العدو فتطرح نفوسهم الهيبة التي تستشعرها الآن للفرنج.
وسار الجيش الإسلامي للقاء العدوّ المتراجع عن الأتارب، وأحاط به، وفرض عليه خوض المعركة، فأباده إبادة شبه تامة. ويروي بعض المؤرخين أنهم مرًّوا بأرض المعركة بعد ذلك بثمانين سنة، فوجدوا بقايا عظام الفرنج في تلك البقعة لكثرة من قُتِلَ منهم.
ومنذ ذلك اليوم استشعر الفرسان المسلمون أنهم أكفاء للفرسان الصليبيين في ساحة الحرب، وأصبحوا يلقونهم دون خوف أو تردد. واستمر عماد الدين زنكي بعد ذلك يلحق الهزائم بالفرنج قرابة عشرين عاماً لم تهزم له فيها راية.
وجاء بعد عماد الدين ابنه نور الدين محمود، وكان كأبيه شجاعاً حازماً، صادق الإيمان، عفيفاً عن أموال الناس، وأموال بيت مال المسلمين، فتابع حروب الصليبيين بنجاح متصاعد حتى أرهقهم إرهاقاً شديداً، ولم ينقذهم منه النجدات الكثيرة التي كانت ترسلها أوروبا لصليبي الشرق، وكان له الفضل في توحيد مصر وسوريا تحت تاجه، والقضاء على الانشقاق الديني الذي خلقته الدولة الفاطمية.
وجاء بعد نور الدين صلاح الدين الأيوبي، فتابع النضال دون هوادة، حتى لقي الصليبيين في حطين فحطم جيشهم تحطيماً تاماً، وانتزع بعد ذلك أكثر ما كان بيد الفرنج من مدن وحصون، ولولا رقةٌ زائدةٌ في نفس هذا البطل القائد المؤمن، لأنهى عهد الصليبيين في الشرق إثر معركة حطين.
وقد أكثر الشعراء من القول في الانتصارات التي سجلها عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، وأحدث شعرهم سيلاً من الحماس في نفوس الناس، فكان المقاتلون المسلمون يتقاطرون إليهم للغزو معهم من جميع أرض الإسلام، وكان هذا الحماس له أكبر الأثر في تحقيق الانتصارات على الفرنج.
وقبل أن يتمكن العرب والمسلمون من القضاء على الغزو الصليبي قضاءً تاماً، دُهُوا بمدّ تتري "مغولي" انطلق من أقصى الشرق، وأخذ يغرق الدول الإسلامية القريبة منه الواحدة بعد الأخرى في بحر من الدماء، ويقضي عليها بعنف لا مثيل له في التاريخ، حتى وصل إلى بغداد فاحتلها وخربها وأحرقها، وقضى على الخلافة العباسية، وأهلك ملايين كثيرة من بني البشر.
وكان لابد للعرب ولأمم الإسلام من أن يتصدّوا في كل ذلك للدفاع عن أنفسهم، وعن تراثهم ومقدساتهم ضد هؤلاء الغزاة الرهيبين.
ومما زاد في صعوبة مهمة الحكام الدفاعية، ما كان يسبق هؤلاء البرابرة من دعايات مثيرة عن الفظائع التي يرتكبونها، أوقعت الرعب والهلع في النفوس قبل وصولهم، وأدخلت الرهبة إلى القلوب منهم، قبل أن تلقاهم في ميدان الحرب، حتى أصبح كثير من الناس لا يجرؤون حتى على مجرد التفكير في الدفاع عن أنفسهم، أو في الهرب من الموت، فكانوا ينتظرون المغوليّ ليذهب وياتي بسلاحه ليذبحهم به، وهم لا يبدون ولا يعيدون.
ثم انتفضت النفوس المؤمنة داعيةً الناس إلى قتالهم، والوقوف في وجوههم، وتأليف جبهة إسلامية ضدهم، وقام الملك "الكامل" الأيوبي أمير ميافارقين في دياربكر، بدعوة الأمراء المسلمين من أقربائه إلى التعاضد والتساند للقاء المغول، وقتالهم والثبات في وجوههم، وكان يرى أنه لو قامت كلُّ إمارة وكلُّ بلدة وكلُّ قرية بواجبها في مجاهدتهم، وأفنت عدداً من رجالهم، لقُضي عليهم بعد أمدٍ قصير، ولتجرَّأ المستضعفون المستذلون على الانتفاضة عليهم، ومجاهرتهم بالعداء فيضطرب أمرهم.
وكان ملك ميافارقين هذا رجلاً مؤمناً شريفاً عفيفاً عادلاً، لا يستحل لنفسه ولا لأهله أن يأخذ قوته وقوت عياله من بيت مال المسلمين فكان يعيش هو وأسرته مما يكسبونه من أجر الحياكة التي يقومون بها في بيتهم. وقد عرف الناس من ملكهم ذلك التُّقى والصلاح فوثقوا به، وتعلقوا به تعلقاً كبيراً، واستجابوا لطلبه في مقاومة الغزاة الطغاة، وعملوا جميعاً على التزويد بالمؤن والسلاح والعتاد على قدر ما يستطيعون، ودبت الحماسة في نفوس الناس جميعاً، وكان في جيش الملك الكامل فارسان بطلان حقّقا العديد من الانتصارات في المبارزات التي يقومان بها مع فرسان المغول، فاستشعر مقاتلوا المدينة الجرأة، وثبتوا وثبتت معهم المدينة سنةً كاملةً تقاتل التتار وتفني جموعهم، وسرى روح البطولة، وحب الاستشهاد إلى مدن إسلامية أخرى، فوقفت في وجوه التتار وقاتلتهم، وتجرأت عليهم حتى جاء نصر الله على أيدي المماليك في عين جالوت، فقضوا على جيش التتار قضاءً شبه عام، فاستخف الناس بهم، وتبدلت القلوب بخوفها منهم الجرأة عليهم، وصار المسلمون يلقونهم ويهزمونهم، حتى أبعدوهم عن المنطقة كلها، وأيأسوهم من إمكان السيطرة عليها.
وفي تلك الأيام الحالكة السواد، وفي تلك الأوقات العصيبة البالغة الشدة في الحرج، كانت اللغة العربية الفصحى قد انحط شأنها، وتغلبت الأمية على عامة الشعب، فضعف أثر الشعر الرفيع المستوى على النفوس، ولم تعد للصور الرائعة، والمعاني السامية، والسبك الممتاز التأثير السابق على النفوس، لذلك فكر أهل الرأي في أن يصوغوا قصص البطولة بلغة سهلة تستطيع العامة _وهم مستودع البطولات ومستقرها _ فهمها والتأثُر بها، فانتقوا من تاريخنا عدداً من الرجال الأفذاذ المشهورين، ونسجوا حول سيرهم قصصاً تمجّد بطولاتهم، وتبرز مناقبهم ومغامراتهم، وترفع من شأن جرأتهم، وتظهر الأهمية الكبرى للأبطال في الملمّات، واعتماد الناس عليهم في الشدائد، واقتداء الشبان بسيرتهم عبر العصور والأجيال، حتى استهانوا بالصعاب، وتخطوا العقبات، وارتفعوا ببطولاتهم وتضحياتهم إلى قمة الأمجاد.
ومن هذه القصص المثيرة قصة عنترة بن شداد العبسي، وقصة سيف بن ذي يزن الحميري، في مكافحة الاحتلال الحبشي، وقصة الملك الظاهر في مكافحة الصليبيين، وقصة بني هلال، وفيها أخبار جهادهم ضد الصليبيين وأعوانهم في المشرق والمغرب، ومجموعات من القصص حواها كتاب ألف ليلة وليلة.
وجميع هذه القصص تشير إلى ما للبطل من تأثير على نفوس المقاتلين في المعارك، وتبرز ما يفعله وجوده في دفع الرجال إلى التضحيات، ورفع معنوياتهم، والاندفاع للاقتداء به، وفي خلق الشعور بأن وجود البطل وحده بشير بتحقيق النصر على الأعداء.
وجميع القصص التي أشرنا إليها فيها كثير من المبالغات غير المعقولة، وفيها أشياء غير منطقية، وفيها أخطاء تاريخية فجة، ومع ذلك فقد كانت المجتمعات تُقبِلُ على قراءتها، ويتأثر الشبان بها، وتثير حوادثُها ووقائعها ومغامراتُ أبطالها حماساً في النفوس، وحباً في المغامرة.
ووجود الأبطال إلى جانب إخوانهم في ميدان المعركة يؤثر على معنويات المقاتلين تأثيراً كبيراً، ويضعف من همة الأعداء، ويلقي الرعب في قلوبهم، وقد يفعل وجود البطل فعل العشرات، بل فعل المئات والألوف.
ولم أر أمثالَ الرجال تفاوتاً لدى المجدِ حتى عُدَّ ألف بواحدِ
وإمعان النظر في بعض القصص التي أشرنا إليها يوصل المرء إلى القناعة بأن قلة من الرجال المصممين على النصر والشهادة، يستطيعون أن يحققوا المعجزات. وأن رجلاً واحداً مقداماً قد يقلب ميزان الحرب بجرأته وحماسه واندفاعه، وحسن تدبيره، وقد يبدل النتيجة من هزيمة محققة إلى نصر مؤزر.
فالحرب آلتها الأولى قلوب الرجال وسواعدهم وهممهم، كانت كذلك، وستبقى كذلك أبداً مهما تطورت الأسلحة، ومهما ارتقت وسائل القتال وآلاته، فما دام هو الذي سيسير آلة الحرب فإن شجاعته، وجرأته ورباطة جأشه ستبقى دائماً ذات الأثر الأكبر في النتيجة.
وقد أدرك الخليفة أبو بكر رضوان الله عنه هذه الحقيقة فكان يوصي قادة الجيوش المتجهة إلى الفتح، بأن يكونوا قدوة لرجالهم في البسالة والجرأة والثبات، ويقول لهم: "لا تجبنوا فيجبن الناس". وجاءه، وهو في المدينة، البشيرُ يوماً يخبره بما فتح الله على جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد في حربهم مع الفرس، فخرج أبو بكر يطوف في شوارع المدينة وينادي بأعلى صوته: "يا معشر قريش عدا أسدُكم (ويعني به خالداً) على الأسد، فغلبه على خراذيله، أعجزت نساء قريش أن يلدن مثل خالد؟".
وفي التاريخ أمثلة لا تحصى تُثبت كلها هذه الحقيقة. وحتى في الحروب الحديثة نجد أيضاً أمثلة تدل على أن تصميم الرجال يمكن أن يقلب موازين الحرب، ومن أبرز الأمثلة على ذلك معركتا بير حكيم التي خاضها الألمان المنتصرون ضد قوة قليلة العدد من الجنود الفرنسيين، وكان أكثر مقاتليها من المتطوعة السوريين واللبنانيين، ومعركة دير كاسينو، التي أجبرت قوٌة ألمانية صغيرة متمركزة في مرتفعات دير كاسينو في جنوبي إيطاليا الجيوش الحليفة الغازية على التوقف والارتداد أكثر من مرة عن موقعها الحصين، ولم ينجح الحلفاء في إخراج هذه القوة الألمانية من مواقعها إلا بعد أن ندبت قوة من أبطال المغرب العربي، قامت بعمليات انتحارية، وخاضت المعركة مع الألمان بالسلاح الأبيض، فاضطرتهم إلى الاستسلام.
والشجاعة تتأتى من اتقان الوسيلة، وحب المغامرة، وثقة النفس بالقدرة على الفوز بالنصر، أو النجاة من المأزق الذي انحشرت فيه، واعتياد على خوض الحروب ومقارعة الرجال، ومواجهة المخاطر، فتعتاد النفسُ الصبرَ على المكاره، واحتمال المشاق، وتتحرر من عقدة الخوف. ومع مرور الزمن وتعاقب الأجيال تصبح الشجاعة شيئاً متوارثاً تفخر به الجماعات.
إلى هذا الأمر أشار الرسول الكريم حينما قال: "ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلُّوا". وعاد فكرر هذا المعنى بصيغة أخرى فقال: "ما غُزي قومٌ في عُقر دارهم إلا ذلُوا". فالشعوب التي ألِفت الجهاد، وخوضَ الشدائد، وشن الحروب على الأعداء، هي الشعوب التي يكون الروح الحربي فيها قد تأصّل، واعتاد الناس فيها استعمال السلاح، ومعاناة الشدائد، وأعدوا للحروب عدتَها على ضوء تجاربهم وخبرتهم العملية، فأصبحت الشجاعة متأصلةً فيهم يفاخرون بها، ويتسابقون إلى الموت بدافعها.
على أن النفوس تَضِنُّ بالتضحية إذا لم يكن لها قضية تدافع عنها وتشعر في الدفاع عنها بالرضا، وإذا لم تؤمن بأنها إنما تدافع وتضحي في سبيل شيء خاص بها، مقدس لديها. فالعبد لا يبذل الجهد في الدفاع عن سادته، إذا كان يستشعر منهم الظلم والطغيان عليه، وهو لا يخلص في بذل نفسه ولا يضحي بها ولا يعرضها إلى المخاطر الجسيمة من أجلهم حينما تكون نفسه تشتعل بنار الحقد عليهم، وقلبه يقطر دماً من سوء معاملتهم.
وقد ذكرت كتب الأدب قصة عنترة يوم كان عبداً يرعى لأبيه الإبل، وأبوه يأبى تحريره من نير العبودية والاعتراف بنسبة، فقد وقف موقف المتفرج من حرب شنها أعداء بني عبس على مضاربهم، في غيبة من فرسانهم ورجالهم، ولم يتحرك حينما حثه أبوه على الدفاع عن الأهل والحرم، وقال لأبيه: العبد لا يحسن الكرَّ، وإنما يحسن الحلابة والصرَّ. فأدرك أبوه صدق هذا القول، لذلك حرره وألحقه بنسبه، ثم طلب منه أن يكر، ففعل الأعاجيب بالأعداء.
وسَخِرَ فارسٌ عربيّ من قومه وعشيرته التي لا تذكره إلا عند الشدائد وخوض الحروب، وتعريض النفس للمخاطر، بينما يتصدر غريمه "جندب" المجلس، ويترأس الولائم، ويستقبل الضيوف، ولا يتحمل شيئاً من الغُرمِ والمخاطر، فقال ساخراً من عشيرته:
وإذا تكـون كريهةٌ أدعَى وإذا يحاسُ الحَيس يُدعى جُندبُ
وأبلى عمرو بن معدي كرب الزبيدي بلاء حسناً في معركة القادسية، وأسهم إسهاماً كبيراً في تحقيق النصر، ولما جاءت وقت اقتسام المغانم بين المقاتلين _ولم يكن إذ ذاك قد استقرت الطريقة التي تقسم بها المغانم _ اقترح بعض القادة أن تقسم المغانم وفقاً لما يحفظه كل واحد من المقاتلين من القرآن الكريم، وكان عمرو بن معدي كرب حديث عهد بالإسلام، ولم يكن يحفظ القرآن إلا عدداً من قصار السور التي تجوز بها الصلاة، فاحتج على ذلك وقال:
إذا قتلنا وما يبكـي لنا أحـد قالت قريش ألا تلك المقاديرُ
نُعطى السوية من طعن له نفذٌ ولا سويةً إذ تُعطى الدنانيرُ
ومن أقسى الأشياء على نفس الإنسان عامة، ونفس العربي خاصة، شعوره بالغبن والظلم من الناس عامة، ومن أهله وعشيرته بصورة خاصة، فظلم الأباعد يستطيع الإنسان أن يتصدّى له بالثأر والثورة وبالقتال وبالاستعداء، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، أو بالهجرة والنزوح عن الأرض إذا لم يستطع دفع الحيف عنه. أما الأهل فهم الموئل وهم السند فإذا جاء الضيم والشر منهم فبمن يستعين الإنسان عليهم؟ ولذلك قال طرفة:
وظلم ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقعِ الحسامِ المهنَّدِ
والناس اليوم لا يقلُّون حاجةً عن رجل البادية إلى الشعور بالعدل والمساواة، والأمن في الوطن، وبأن الناس كلهم سواء في الحقوق والواجبات، ونيل المنافع، واحتمال الأذى، وهو ما نسميه اليوم بتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون. وقد رأينا كيف أن الشعب الإيطالي لم يقاتل في الحرب العالمية الثانية قتال المخلص المتفاني، ولعله لو أخلص في القتال والبذل والتضحية لكان أمر الحرب قد تغيّر. ومن يستقص وضع إيطاليا زمن الحكم الفاشي، وما ظهر فيها من فساد وانحلال وتمايز بين الناس في الحقوق والواجبات، وما ظهر في الشعب من علائم التذمر والقرف من الحكم والحاكم، ومن النظام كله لا يستغرب موقف الشعب الإيطالي أللا مبالي في أثناء الحرب، برغم ما كان لديه من سلاح متطور، وعتاد وفير. وشعور المواطن بالعدل والمساواة مع الآخرين في رحاب الوطن، يريح النفس من آلامها، ويستل منها الحرَن والحقد، ولعل من أفضل ما يشحذ همة المواطن، ويدفعه إلى البذل والتضحية هو شعوره بأن الحاكم ومَن حوله هم خير من في الوطن، علماً وأخلاقاً، وكفاءةً، وطهارة يد، وعفة عن أعراض الناس وأموالهم، وحرصاً على إقامة العدل وضبط الأمور في البلد وتقويمها، وأنهم لا يقاتلون عليه في شيء، ولا يضنون بأنفسهم إذا حزَب الأمر، وجدَّ الجد، ولا يبخلون بها إذا ما دعاهم الداعي.
لقد كان القادة العظام الذين تركوا أثراً حميداً في التاريخ مثلاُ يحتذى به في العفة وكرم الخلق. والقدرة على ضبط الأمور، وإشعار كل مواطن بأن السلطة ساهرة على أمنه وعرضه وماله، وأنها قادرة على بتر كلِّ يد تمتد للعبث بكرامات المواطنين وأعراضهم وأموالهم، فكان كل واحد يشعر بالأمن والاطمئنان، ويدرك أنه إذا ذهب للجهاد في سبيل الله فإن أسرته في حماية السلطة، وحماية الأطهار من أبناء الشعب، ولن تشعر بحاجة تفرض عليها الجوع والهوان.
ومن طريف ما يروى في هذا الباب قصتان كان لهما أثر كبير في ترسيخ ثقة الناس بدولتهم وحكامهم، قصة وقعت أيام عماد الدين بن زنكي، وقصة مع ابنه نور الدين.
أما قصة عماد الدين فتتلخص في الآتي: كما رواها ابن الأثير.
حينما كان عماد الدين زنكي يبذل الجهد الكبير لترسيخ ثقة المسلمين بأنفسهم وحكوماتهم، لينطلق بعد ذلك إلى دعوتهم إلى تحمُّل أعباء الجهاد والمساهمة فيه بأنفسهم وأموالهم، كان بعض حكام الأقاليم في دولة زنكي لا يدركون مدى حزم هذا الحاكم الشهم النبيل، ولا مدى إخلاصه في عمله ودعوته، فكان بعضهم يسيء إلى كرامات الشعب وأعراضه، وبعضهم يسيء الأمانة، وبعضهم يتجاوز حدوده فيغتصب لنفسه ما طاب لها من أرض وبيتٍ ومالٍ وعرضٍ.
وكان من جملة هؤلاء المسيئين رجل عينه زنكي ليكون نائباً له في حكم مدينة حرّان في الجزيرة، وكان هذا النائب يستغل فرصة خروج الرجال لأداء واجبهم في الجهاد مع زنكي، للعبث بحرم بعض هؤلاء المجاهدين، وقد تكرر وقوع ذلك منه أكثر من مرة، فرُفع أمره إلى عماد الدين زنكي، فحقق زنكي في الأمر، واستمع إلى شهادة من يثق بقولهم، فأكدوا جميعاً سوء تصرف هذا النائب، فاستدعاه واستنطقه وأشهد عليه، فأقر بما كان منه، فأمر زنكي بقطع مذاكيره والطواف به في مركب في نهر المدينة، حتى يعلم ذلك كلُّ مواطن، فيطمئن على عِرضِه وحرمه إذا خرج للجهاد، فكان لهذه العقوبة القاسية أثرها البالغ في نفوس الناس، وفي نفوس الحكام، وفي تقويم الأمور.
أما القصة الثانية التي وقعت في عهد نور الدين محمود فتتلخص في الآتي:
ألِفَ بعضُ كبار قادة نور الدين الذين كان لهم أثر حميد في جهاد الفرنج الاستطالة على الشعب، واغتصاب ما طاب لهم من أموال الناس، وكان من بين هؤلاء القادة العظام أسد الدين شيركوه "وهو عم صلاح الدين الأيوبي"، وكان شيركوه أكبر قواد نور الدين محمود، وأكثرهم جرأة وبلاء في حروب الصليبيين، ورُفِعَ أمرُ استطالة شيركوه إلى نور الدين، فلم يرد أن يخجل قائده العظيم، فأمر بتأليف مجلس قضاء يرفع إليه الشعب ما لحقه من ظلامات من قادة السلطان، فأدرك شيركوه أن نور الدين إنما كان يعنيه بتأليف هذا المجلس، فأعاد لكل صاحب حق حقه، حتى لم يترك لأحد شيئاً يمكن أن يتقدم بتظلم من أجله، واجتمع المجلس أياماً، فلم يتقدم إليه أحد بشكوى، فذُكِر ذلك للسلطان، فحمد السلطان ربّه على أن جعل في قادته شعوراً بالرأفة والرحمة والكرامة والخوف على السمعة.
وحينما تكون الجماعة في طور صعودها تتجلّى فيها الخصال الحميدة: من اجتماع كلمة، وصدور عن رأي واحد، واستقامة وشهامة وجرأة في الحق، وتمسك بالفضائل، وعفة في اليد واللسان والذيل، وقول للصدق، وعون على إحقاق الحق، وصون للعدل، وتميز بالشجاعة والبطولة والتضحية في سبيل المجموع، وسعي للصلاح والإصلاح، وأمر بالمعروف وعمل له، ونهي عن فعل المنكر وانتهاء عن فعله، وشعور كلِّ فرد في الجماعة بأنه مسؤول عن سلامتها وأمنها واستقامة أمورها.
ولا يعني هذا أن الصفات القبيحة المستنكرة تزول وتتلاشى، وتنمحي تماماً من النفوس، وإنما تنكمش وتتوارى في العلانية، وتبقى مستقرة في زوايا النفوس الضعيفة في طور من الكمون والسكون، وتتراجع إلى المرتبة الثانية إذ يلزمها أصحابها بالانكماش والتواري مخافة أن تلحق بهم معرة إذا ظهرت، وفيهم الشجاعة إلى جانب السلامة، وفيهم التضحية إلى جانب الأنانية وحب انتهاز الفرص. فترى البخيل يُكرهُ نفسه على الجود تشبهاً بالكرام، والجبان يُكرِهُ نفسه على الشجاعة والإقدام تشبهاً بالشجعان، والدنيء يكره نفسه على الترفع تشبهاً بالأباة الأعزة.
أما حينما تنحدر الجماعة نحو الانحطاط، فيظهر عليها الوهن، والتفكك، ويسود فيها التخاذل، وتتلاشى الجرأة وحب التضحية في سبيل الجماعة، وهنا تبرز الأنانيات واضحةً جلية، وتظهر الأثرة وحبُّ السلامة والذات، وتتقدم المصالح الخاصة على مصلحة الجماعة، وتظهر النفوس الضعيفة على حقيقتها متعلقةً بالحياة، كارهةً للتضحية، منافقةً، متخاذلةً، تتحين الفرص لانتهازها وتتقرب من ذوي السلطان وتداريهم لتأمين مصالحها من أي طريق كان: شريفاً أو غير شريف، لا تهمها كرامة، ولا تؤذيها مهانة، ولا تحسب حساباً لضياع عِرضٍ أو امتهان قدسٍ من الأقداس.
وحينما يتطاول ليل الذل على الجماعة، وتنغلق في الوجوه أبواب الرجاء والخلاص، تنحدر جماعات أخرى إلى المستنقعات، وقد كانت _حتى ذلك الحين _ تقف على استحياء متردّدة متربصةً، يمسكها شيء من حياء، وبقيةٌ من كرامةٍ ورجولة، وطمع في فرج قريب، وتترك نفسها تنحط إلى المهاوي التي تردت فيها جماعات النفاق والانتهاز من سِفلة الناس، وتخلع هي الأخرى العذار، وتقذف بنفسها في أوحال المهانة والتمرغ على الأعتاب، بحثاً عن منافعها ومصالحها الخسيسة.
وتتعاون جميع هذه الفئات الذليلة التي تساقطت على الطريق، في اصطناع المبررات لنفسها على غرقها في الأوحال، وتتذرع بالحكم والأمثال والصيغ الفلسفية، والمناقشات المنطقية تخفيفاً عن أنفسها مما تستشعره من خزي واحتقار، وعذاب نفسي فيما تقوم به من أدوار خسيسة في خدمة المتسلطين.
فمنهم من يصف عمله الخسيس بأنه "حفاظ على شعرة معاوية مع المتسلطين"، ومنهم من يصف تعاونه معهم، وبذله نفسه وعرضَه وكرامته لهم: "أنه نوع من الحذق والسياسة والشطارة في تأمين المنفعة". . إلخ، ولا يغيب عن هؤلاء أن يتمثلوا في بعض الأحيان بالأحاديث النبوية الشريفة، وأن يستعملوها في غير ما وردت فيه عادة، وفي غير ما أراده صاحب الدعوة عليه السلام، فيقولون مثلاً: "يا أخي قال الرسول الكريم: المؤمن القويُّ خير من المؤمن الضعيف"، وهم يقصدون بذلك أنهم إذا ما نافقوا، وأذلّوا أنفسهم، وبذلوا أعراضهم في سبيل تأمين كسب غير شريف فإنهم إنما يسعون في الحقيقة إلى تأمين أسباب القوة التي تجعلهم قادرين على مقاومة الطغاة والطغيان.. وهم يعرفون حقّ المعرفة أنهم أبعد ما يكونون تفكيراً في أمثال هذه المواقف الشريفة، فالحرةُ تموت ولا تأكل بثديها.
وقد يستشهدون بمقاطع من آيات من القرآن الكريم، ويوردونها في غير ما أنزلت فيه، وفي غير ما أراد الله تعالى من إنزالها، تبريراً لتصرفاتهم تجاه أنفسهم، وتجاه مَن حولهم، من ذلك أنهم يبررون تخاذلهم، وحرصهم على الحياة الذليلة، فيقولون:
يا أخي قال الله تعالى: (... ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكةِ...).
ويقولون أيضاً: يا أخي قال الله تعالى: (... وَلا تَقتلوا أنفسكُم...).
أو يقولون يا أخي نحن مكرهون على فعل ما نفعل، وقد سمح الله تعالى للمُكرِهِ بأن يقول بفيه كلمة الكفر فقال: (... إلاّ من أُكرهَ وقلبهُ مطمئنٌ بالأيمانِ...).
ومن ذلك أيضاً أنهم يقولون: يا أخي إن الله سمح للمؤمنين في أثناء المعركة بأن يتحركوا ويتصرفوا وفقاً لما يمليه عليهم ظرف المعركة، لتحقيق النتيجة السارة وهي النصر. فقال الله تعالى: (... إلا مُتحرفاً لقتالٍ أو مُتحيزاً إلى فئةٍ..).
ويدّعون أنهم إنما ينحازون إلى الحكام ويتقربون منهم ليكسبوا ودَّهم وثقتهم، ومتى تحقق لهم ذلك أمكنهم القيام بواجبهم في حمل الحكام على اتباع الصواب، وترك الفساد والطغيان.. إلخ.
وهذا كله بلا شك كذب وبهتان ونفاق، وسخرية من النفس ومن الآخرين، فقد نسوا أنهم هم الذين يقذفون بأنفسهم وكراماتهم وأعراضهم تحت أقدام ذوي السلطان، وهم الذين يزحفون على الأعتاب، ويقفون ملازمين الأبواب، ويتفننون في استحضار ما يلذ الكبراء ويسرهم ويرضي كبرياءهم من قول وعمل، وهم الذين يفعلون ذلك تطوعاً ونفاقاً من عند أنفسهم، ولم يكلفهم به أحد، ولم يجبرهم عليه أحد. ولو أنهم التزموا حدودَهم، وقنعوا بما قنع به الآخرون من كرام الناس وشرفائهم، مما لهم فيه حق مشروع، وصانوا أعراضهم وكراماتهم عن الابتذال والإسفاف، لما تعرض لهم أحدٌ بسوء.
ولكن لنفترض أنهم ابتلوا فعلاً بطاغيةٍ جبارٍ لا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يحترم أمراةً ولا شيخاً ضعيفاً، ولا يَعفُّ عن منكر وخنا، يقتل ويعتدي ويحرق ويدمّر اعتداءً وظلماً وتجاوزاً وتلذذاً وتشفيّاً.. كما فعل نيرون وهولاكو وتيمورلنك.. فهلا يليق بالحر الكريم أن يقاوم الطغيان، ويقف في صفوف الأحرار الشرفاء، ويؤدي قسطاً من واجبه على قدر طاقته وقدرته، وإذا عجز عن القيام بشيء من ذلك فإنه ليس من الصعب عليه أن يهجر منزله وداره وأرضه إلى منزل آخر وأرض أخرى يجد فيها الأمن والعزة والكرامة، حتى يفرج الله الكرب عن الناس...؟
لقد تركوا آيات الله وأوامره، وأوامر رسوله التي تحث المؤمنين على التصدّي للطغيان، وتقويم المنكر، ومحاربة الفساد والظلم والعدوان، وعلى عدم الاستكانة للإرهاب والجور، وهي كثيرة جداً في القرآن وفي السنّة، ويعمدون إلى مقاطع من آيات وأحاديث لم تنزل فيما أرادوا هم فهمه منها، ولم ترد في مناسبات تماثل الحال التي هم فيها.
لقد نسوا قوله تعالى وهو يصف المؤمنين المخلصين: (والذين إذا أصابَهُم البغيُ هُم ينتصِرون).
أي أنهم يثورون على الطغيان ولا يقبلون به، ولا يسكتون عليه.
ونسوا قوله تعالى: (لُعِنَ الذينَ كفروا من بني إسرائيل على لسانِ داودَ وعيسى ابن مريمْ ذلك بما عَصوا وكانُوا يعتدون* كانُوا لا يتناهَونَ عن منكرٍ فعلوهُ لبِئس ما كانُوا يفعلون).
ونسوا قوله تعالى: (كُنتُم خيرَ أمةٍ أخرجت للنّاسِ تأمُرونَ بالمعروفِ وتنهونَ عنِ المنكرِ وتؤمنونَ بالله...).
ونسوا قوله تعالى: (إنّ الذينَ توفاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهِم قالوا فِيم كُنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكُنْ أرضُ اللهِ واسعةً فتهاجِروا فِيها...).
كما نسوا قول الرسول الكريم (ص) : "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان".
فالحر الشريف المؤمن هو الذي يتصدّى للظلم والطغيان، ويحاربهما قدرَ ما يستطيع، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لا يبالي بأذى يُلحقُ به في سبيل الله، وفي سبيل قضية العدل والكرامة، وسلامة المجتمع.
مجلة رسالة الجهاد /العدد85/1987 م

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:03 am



كيف نستفيد من العلم؟


فيصل العوامي

هناك مجموعة من الشروط والملاحظات التي لا يسع المحصل إلا الاهتمام بها، فيما إذا كان راغباً في الاستفادة من علمه، وإلا فان مجرد تراكم المعلومات في الدماغ لا يعني شيئاً:
الشرط الأول ـ التزاوج بين العلم والإيمان: فالإيمان بكل ما يحمل في طياته من مفاهيم وقيم كالصدق والإخلاص والوضوح، نقيض النفاق وكثير غيرها، هو المحافظ على سلامة حركة العلم والموجه لمسيرته، ومن دونه يبقى العلم قشراً بلا محتوى نظيف وبذلك تنعدم فوائده الحقيقية التي وجد من أجلها.
لأن الفائدة الأساسية للعلم، قيادة الانسان العالِم إلى الهداية والحق، فإذا لم يحرز العلم هذه الفائدة، أصبح سالباً بانتفاء موضوعه.
وقد نبهتنا الآيات القرآنية مراراً إلى هذه الحقيقة، كما في قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) الأعراف/ 175-176.
فلأنه اتبع هواه ومال عن الإيمان، أصبح شبيهاً بالكلب في لهثه مهما كان نوع المحمول عليه، وهذا يعني سقوط قيمة العلم الذي يحمله أمثال هؤلاء.. فمع أنه يُعدُّ عالماً بما يحمل من معارف، إلا أن تلك المعارف لم تبلغ به إلى الهداية، فأصبح كأن لا علم له.. وهذا تماماً ما ترجمه رسول الله (ص) في قوله: (مَن ازداد علماً ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلا بُعداً).
الشرط الثاني ـ التزاوج بين العلم والعمل: لو تساءلنا بيننا وبين أنفسنا، لماذا نتعلم؟
أللعلم ذاتاً نتعلم، أم العلم طريق إلى مغاير له؟
لو تأملنا في مسيرة كل متعلم، ماذا سنجد: هل يتعلمون العلم لذاته، أم يتخذونه وسيلة إلى غرض آخر؟
لا شك أننا جميعاً سنتفق على القول بأن للعلم ثماراً أساسية، إحداها الهداية، وسبق الحديث عنها، والثانية العمل بذلك العلم، ولهذا جاء في الحديث الشريف عن الإمام علي (ع): (ثمرة العلم العمل به).
فالعمل والإنتاج يحول العلم إلى نظريات متحركة ـ بعكس فيما إذا انفصل العلم عن العمل فإنه يصبح مجرد نظريات وقوالب متجمدة ـ ، وذلك يعني تحول العلم إلى واقع وإلى حياة. وهذا هو الغرض من العلم، أن يتأثر الواقع إيجابياً بالعلم، فإذا بقي الواقع على حاله ولم ينفعل بالعلم، وبقي العلم مخزوناً في الأذهان ولم يتحول إلى قيم متحركة، انتفى غرض العلم وبالتالي أصبح العلم وكأنه لم يكن من الأساس.
يقول الإمام علي (ع): (لا تجعلوا علمكم جهلاً، ويقينكم شكاً، إذا علمتم فاعملوا، وإذا تيقنتم فأقدموا).
إن هذا المعنى نشهده في نصوص قرآنية كثيرة، كلها تنزل الانفصال بين العلم والعمل منزلة الجهل.. كما في قوله تعالى: (مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) الجمعة/ 5.
فما قيمة تلك العلوم الثقيلة التي حملها أمثال هؤلاء، لكنهم لم يحملوها ولم يحولوها إلى برامج عملية.. ليس لها ثمة قيمة إلا التشبه بأدنى الحيوانات قيمة ومكانة.. وذلك أن العلم فرغ من محتواه فتحول جهلاً.
الشرط الثالث ـ التزاوج بين العلم والفضائل: لا يوجد ثمة فرق جوهري بين هذا الشرط والشرط الأول، لأن الإيمان بذاته ينادي بالفضائل، بل هو دعاؤه.. والفصل الذي اعتمدته بينهما إنما هو فصل موضوعي فقط، وغرضه الأساسي إبراز المسائل الفضيلية والتأكيد عليها..
وهي تستوعب الكثير من المفردات الوجودية كالتواضع والحلم، والعدمية كعدم الغرور وعدم التكبر وأشباهها. فكل تلك الأمور جميعاً ينبغي أن تكون ملازمة للعلم، ومتجذرة عن الانسان العالم، وغلا انتفت أبهة العلم وجمالياته.
فالعلم إنما هو طريق لتكريس القيم الأخلاقية عند الانسان والمجتمع، فإذا لم يحرز العلم ذلك، كأن اصبح العالم مغروراً بعلمه، واتخذه وسيلة للتباهي والترفع الاختياري المتعمد، والتعالي على الغير سواء كانوا من أبناء صنفه أم من الدائرة الاجتماعية الأوسع.. فإن العلم يصبح آنذاك فاقداً لجماله.. لأن التواضع والحلم زينة العلم وجماله.
يقول رسول الله (ص): (مَن طلب العلم لله لم يصب منه باباً إلا ازداد في نفسه ذالاً، وفي الناس تواضعاً، ولله خوفاً، وفي الدين اجتهاداً، وذلك الذي ينتفع بعلمه فليتعلمه، ومَن طلب العلم للدنيا والمنزلة عند الناس والحظوة عند السلطان لم يصب منه باباً إلا ازداد في نفسه عظمة، وعلى الناس استطالة، وبالله اغتراراً، ومن الدين جفاء، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم فليكف وليمسك عن الجمة على نفسه، والندامة والخزي يوم القيامة).
كل ذلك يدلنا على أن العلم ليس مجرد معلومات ووقائع ومفاهيم يطلع عليها الانسان، وإنما هو أوسع من ذلك.. لأن للعلم أمراضاً خطيرة على الانسان والمجتمع، والخلاص منها لا يتم إلا بالتزاوج التام بين العلم وكل من الإيمان والعمل والفضائل.
وأخيراً أن أمراض العلم كثيرة، وتستحق التفصيل المسهب، لأن من طبيعة تلك الأمراض أنها تمويهية، تختفي وراء الأبهة التي يصنعها العلم، ولهذا لابد من فضحها كيما تنال نصيبها من العلاج.
*المصدر : عن ثقافة النهضة

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:03 am



كيف نؤدب أولادنا


محسن محمد

دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدب سبع سنين، والزمه نفسك سبع سنين، فان افلح، وإلا فانه لا خير فيه". الإمام جعفر الصادق (ع):
أدّبه سبعاً:
إن لهذه المرحلة ميزات وخصوصيات، ذلك أنّ التأديب المطلوب فيها يراد به توجيه كل العناية لشؤون الولد، في قوله وفعله، وفي تعليمه، وفي جملة الآداب الفردية والاجتماعية المرغوبة، معرفةً بها والتزاماً، واستخدام جميع الوسائل الفاعلة للوصول إلى الغاية المرجوة، حديثاً وقدوة، وليناً وشدّة، من الولي أو المعلم أو البيئة الصالحة، بنحو يكون الهم الأساس هو النجاح في ذلك على أحسن وجه.
ولكن التأديب الخاص بهذه المرحلة يتجاوز مجرد التوجيه ليكون له خصوصيات في الأسلوب تجعله (تأديباً) فيما بين السابعة والخامسة عشرة، وموعظة أو توجيهاً أو نصيحة فيما بعد ذلك من السنين.
وهنا لابد للمربي أن يُشفِع التوجيه بالمراقبة المستمرة والمحاسبة الدائمة وعدم انتظار الطاعة التامة من الولد، وذلك لأن النوازع والرغبات الطفولية الكثيرة الموجودة في نفسه موجبة لصرفه عن الفضائل التي يُحَثّ على فعلها، أو موجبة لنسيانها أمام تزاحم الإغراءات المتنوعة، الأمر الذي يجعل التكرار والمراقبة وتعدد الوسائل التي تقدّم بها التعاليم سِمة مميزة لنوع التعامل مع ابن هذه المرحلة من قبل الولي، الذي ينبغي أن يرى هذا الموقف طبيعياً، ويهيئ نفسه للصبر عليه.
وعلى الولي أن يميز بين السنوات الأولى من هذه المرحلة وبين السنوات الأخيرة، أي ما بعد الحادية عشرة، فان الولد ـ حينئذٍ ـ يكون قد أصبح أكثر وعياً وأكثر حساسية تجاه النصيحة وأسلوبها، إذ تبدأ بوادر الاستقلال والاعتداد بالنفس بالظهور في هذه السنوات الأخيرة، بنحو لابد من التفاوت إليه وأخذه بعين الاعتبار.
وقد رأينا أنّ من الأفضل لمنهجية البحث صياغة أفكاره في وصايا ليسهل فرزها والإحاطة بها، وذلك على النحو التالي..:
1- البيئة أولاً:
إذا أردنا تحصين نفس الصبي قبل الشروع بتوجيهه فإن الأهم في ذلك اختيار الوسط النظيف والرفقة الصالحة، لأن الصبي في هذه المرحلة يصبح أكثر اتصالاً بالخارج، من خلال المدرسة ومن خلال إرساله لشراء حاجيات وأداء أعمال معينة خارج المنزل، كذلك فإنه ميّال إلى التأثر بأقرانه من الصبيان.. وبالأغراب من الرجال والنساء، خاصة إذا كان جو منزله مفرطاً في التشدد والمحافظة، سيّما وأن فضوله يدفعه لاستكشاف الجديد الذي عند الآخرين دون أن يُحسن تقدير العواقب.
من هنا فإن اختيار المدرسة الأكثر قرباً إلى التوجّه الإسلامي عامل مهم جداً في تثبيت التعاليم التي يسمعها الصبي، مضافاً إلى أنها سوف تكون امتداداً متجانساً للولي خارج المنزل، فضلاً عن أنها سوف تكسبه أموراً جديدة.. ربما لا تكون في حسبان الولي.
ومهما حرص المربي على اختيار الرفقة الصالحة فإنه لن يُوفَّق تماماً في منع حدوث تماسّ بين الصبي وبين رفقة السوء، وهو أمر إيجابي من حيث كونه موجباً لإطّلاع الصبي على الجانب الشرير المظلم من الحياة، الذي لا بد لاكتمال العملية التربوية من اطلاعه عليه مباشرة، ولكن شرط إحاطة ذلك بالمراقبة المكثّفة وبالتوجيه المناسب الذي يركز على مساوئ الفعل أو الشخص أو الوسط، من أجل تركيز كراهيته في أعماق نفسه.. مع إشباع فضوله في ذات الوقت.
ولا تنتهي المسألة عند المدرسة والرفقة، فإنّ البيت الذي يعيش فيه هو جزء من البيئة أيضاً، فلابدّ أن التعاون باقي أفراد المنزل مع المربي في الأساليب التي يستخدمها لتربية ولده، وما أكثر ما تُفسد الأمُّ أو الاخوةُ والأخوات الخطة التي يضعها الأب لمعالجة خللٍ ما لدى ولده، وذلك بتدخلهم فيها بنحو غير مناسب، أو لكون أحدهم غير منسجم مع خطة ا لمربي، وهو الأمر المسؤول عن فشل كثير من المربيّن الناجحين في الوصول إلى أهدافهم.
فلابد من عناية المربي بإشراك باقي أفراد الأسرة في خططه التربوية وتحقيق قدر من الانسجام معهم.. أو تحييدهم عما هو بصدده.
2- الخطاب المسؤول:
تعتبر "الكلمة" الوسيلة الأكثر استخداماً يف التأديب، وقد يظنّ بعض المربين أنّ توجيهاتهم لا تجدي نفعاً مع ابن الثمان والتسع وغيرهما حتى كأنه أحياناً يصرخ في وادٍ أو ينفخ في رماد، وهو صحيح في المدى المنظور، ولكنه لابد أن يحل ذلكٍ اليوم الذي يتذكر فيه الولد توجيهات المربي ويحاول العمل بها، لذا فإننا لا ننتظر أن يبادر أولادنا إلى الانفعال بنصائحنا والالتزام بها فوراً، بل على المربي أن لا يملّ من تكرار نصائحه وتوجيهاته ليله ونهاره.. وفي مناسبات مختلفة، ليِّنةً تارةً وشديدةً أخرى، وبأساليب مختلفة، حيث من المحتم تأثيرها في يوم من الأيام.
ولكن لابد من مراعاة ما يلي:
أـ على المربي إظهار الإخلاص والحرص على مصلحة الولد أكثر من ظهوره بمظهر الحريص على مصلحة نفسه، مرفقاً ذلك بلهجة ودودة هادئة قدر الإمكان، لبداهة أن الصراخ والغضب وتفسير المشكلة تفسيراً شخصياً.. من قبيل قولك: إن هذا مزعج لي، أو: إن فيه تبديداً لأموالي، يظهر المربي أنانياً ويخفّف من قوة التوجيه ونفاذه في القلوب.
ب ـ إن من الضروري عدم الإكثار من الكلام إلى حدّ يوجب الملالة والسماجة والابتذال، فإن ذلك موجب للانزعاج وانصراف النفس عن الإصغاء والتأثير. وهي طريقة القرآن الكريم.. مع الرجال الكبار.. فما بالك بالأولاد الصغار..!
ج ـ التخفيف قدر الإمكان من الإغلاظ عليه وإهانته وشتمه، وبالأخص أمام الآخرين.. أقرباء أو غرباء، فإن اقتران (الخطاب) بالإذلال يشعره بالظليمة ويخفف من شعوره بالأنفة والعزة اللتين يجب الحرص على وجودهما عنده.
دـ يستحسن التدرج في لهجة الخطاب التوبيخي، والحرص على أن يجيء الكلام في وقته المناسب، ومن المؤكد أن المربي قادر على ضبط انفعاله وتأجيل خطابه إلى أن يحين وقته الذي لن يفوته، فإن الحديث على انفراد وبالقدر المطلوب من الجد.. أو التوبيخ وفي الوقت المناسب أشدّ تأثيراً وأبقى أثراً وأظهر للمحبة والإخلاص.
ه‍ ـ لا بأس أن يُقرنَ التعليم بتجربة أو قصة تدعمه وتزيده ثباتاً في نفس الحدث.
هذا وسوف نعرض لجوانب أخرى من هذه المسألة في مواضعها المناسبة.
3- حَبِّبْ إليه الشريعة:
بما أن الشريعة هي الجو الذي سوف يحيط بالولد منذ نشأته، فإن من المهم في هذه المرحلة ربط الأمور بها بالطريقة المناسبة، كي يشبّ الولد وهو يألف الحلال والحرام والطهارة والعبادة وسِيرَ الصالحين والمعصومين، فيستهدي بها في حياته.
ونلاحظ هنا أن كثيراً من الناس ينعتون الخطأ بأنه عيب أو غير مناسب، ولو نُعت بأنه حرام أو لا يُرضي الله.. أو نحوه لكان أولى، مع ملاحظة أن ذلك لا يعني أن ننسب الأمور إلى الشريعة اعتباطاً وبنحو متكلّف.
وفي هذا الإطار، وَرَدَ الحثّ في بعض الأحاديث على ضرورة تمرين الصبي في هذه المرحلة على الصوم والصلاة، بل والتشدد معه في ذلك إلى حدّ الضرب، مع الإشارة إلى أنّ الفتاة تصبح مكلفة شرعاً في سن التاسعة، فيصبح الأمر بالنسبة إليها واجباً.
وإنّ من المستحسن حثّه على حضور مجالس الدين وارتياد المساجد والمشاركة في النشاطات الإسلامية.. وكل ذلك من أجل انفتاحه على الشريعة والأنس بها.
4- شؤون التعليم:
طلب العلم.. من الأمور التي تلازم المرء مدة طويلة من العمر، ولكن الفترة الأهم لطلب العلم هي السنين التي تجعل العلم راسخاً في النفس كالنقش في الحجر، وهو توجّه فطري لدى الشعوب كافّة.. أكّده الإسلام وشجّع عليه في هذه المرحلة.
ومهما كانت برامج التعليم في عصرنا فإنه لابد من تعليم الأبناء المهمَّ من أمور الدين.. وبالأخص القرآن الكريم، وعلى الوليّ أن يعتني بذلك عناية خاصة.
ومن المهم ترغيب الطفل بالقراءة والمطالعة في هذه المرحلة لأنها أساس في عشق الولد للمعرفة.. بقدر ما يألف الكتاب ويحبّه، كما أنّ من المهم تنمية روح الاكتشاف والفضول العلمي لديه، من خلال تزويده ببعض الأدوات العلمية المساعدة على ذلك، مثل مجهر صغير أو تلسكوب أو نحوهما من الأدوات المناسبة لِسنّه، ولو بصورة ألعاب نافعة ومفيدة.
وإن كان لابدّ من هواية يقضي بها أوقات فراغه فينبغي اختيار الهوايات النافعة والجيدة.. كحرفة النجارة أو العمارة.. أما ما له طابع علمي.. كالبحث عن الآثار أو تصنيف الحشرات.. أو نحو ذلك، إذ المهم أن ينجح المربي في ملء أوقات الفراغ للولد بالأمور النافعة القيمة.
وفي هذه المرحلة قد تكثر أسئلة الولد حول أمور كثيرة.. بعضها محرج، لذا فإنّ من المستحسن تشجيعه على ذلك وإجابته على تساؤلاته بما يناسب من المستوى والوضوح، أما عن تساؤلاته الجنسية فإنه لابد من التهرّب عن الجواب الصريح.. في الوقت نفسه لا ينبغي نهره وإظهار الانزعاج منه كي لا يلجأ إلى الغير لإشباع فضوله، فلا بأس من القول بأن شرح الأمور له صعب الآن، وذكر خطوط عامة تقرب الموضوع إلى الذهن، وليكن ذلك بنحو هادئ وطبيعي.
غير أنه لابد من اطلاعه على بعض الأمور الجنسية التي لها علاقة بتكليفه الشرعي قبيل بلوغه الذي يقع في هذه المرحلة، وبالأخص الفتاة التي سوف تفاجأ بالحيض، وهنا لابد للولي أن يكون حكيماً في علاج هذا الموضوع بالنحو المناسب، سيّما أن الإسلام يحرص على إحاطة ذلك بجو من المحافظة واللياقة لا يثير الشهوة، وبقدر من الوضوح والصراحة يمنع الجهل واللجوء إلى الخيال أو الأقران لمعرفة ذلك بطريقة خاطئة سيئة.
وفي سياق هذا الموضوع يستحسن التشدّد في مراقبة نمّو الولد الجنسي ومعالجة ما يمكن أن يقع من انحراف بما يناسبه.. وخاصة فيما بعد الثانية عشرة من العمر، وإن الجوّ المحافظ الذي يعيشه الفتى في البيت وفي الخارج كفيل بإبعاد مخاطره عنه، سيما عند الأخذ بالاحترازات التالية:
1- عدم الخوض أمامه في أحاديث جنسية فاحشة.
2- عدم تمكينه من قراءة مطبوعات جنسية صريحة وفاضحة.
3- منع الصبيان والبنات من النوم في فراش واحد ابتداءً من العاشرة.. كما ورد في الحديث، بل يستحسن الفصل بين المتماثلين في الذكور والأنوثة في هذه السن.
4- علِّمه الاعتماد على النفس:
في هذه المرحلة سوف يواجه الولد كثيراً من المشكلات، سواء مع الأشرار من زملائه الذين قد يتحرّشون به ويفتعلون له مشكلة، أو في البيت مع اخوته.. حيث يصادف أن يترك الأهل والأولاد وحدهم ويخرجون في عمل أو زيارة، فيمكن أن يواجه الولد حريقاً أو جرحاً أو محاولة سرقة، ففي جميع هذه الأمور لابدّ أن يدرّب الصبي أو الفتاة ويعلّمان كيفية مواجهة هذه الطوارئ والقيام بالتصرف المناسب.
وفي هذا الإطار لابدّ من الخطوات التالية:
أـ يجب أن يُربّى الولد على الشجاعة.. في نفسه وفي جسده، فيُدرّب ويُعلّم على ما ينفعه من أنواع الألعاب والرياضات، والتشدّد في عدم تخويفه بالقول أو بالفعل كي يمتلك الجرأة اللازمة، ومن المعلوم أن جسد الصبي في هذه المرحلة يمتلك القابلية العالية لذلك، وقد ورد في الحديث المشهور عن النبي (ص) ضرورة تعليم الولد السباحة والرماية وركوب الخيل.. بوصفها أسباباً للقوة والشجاعة في ذلك الزمن، لأمر الذي يفترض ضرورة تعليم أولاد هذا الزمان ما يناسبهم من ذلك.. مما يقدر عليه الأبوين وتتوفر ظروفه.
ب ـ تعليم الأولاد وتدريبهم على كيفية مواجهة الحريق أو الإسعافات الأولية، منن خلال ترتيبات معينة تناسب وضع المنزل الذي يعيشون فيه.
ج ـ تدريب الولد وحثّه على القيام بأعمال تُنميِّ فيه روح الاعتماد على النفس، وذلك بجعله يستقلّ بأعمال معينة تحت إشراف أهله.. أولاً، ثم يُرى مدى إمكانية الاعتماد عليه فيها، مع اقتران ذلك بما يلزم من التشجيع والمدح وبثّ الحماس في نفسه.
سيّما أن الولد في هذه الفترة يكون ميّالاً لإظهار قدراته واستعراضها.. ومحباً لإثبات وجوده وأهميته، فليس على المربي إلاّ أن يحسن توجيه هذا الميل في الاتجاه النافع.
5- لا تحرمْهُ من اللعب:
قد يضنّ المربي على ولده باللعب في هذه المرحلة.. سيما في سنواتها المتأخرة، وهذا ما لا ينبغي أن يحدث، لأن الولد يبقى بحاجة إلى اللعب حتى سنة متأخرة من هذه المرحلة، وذلك بسبب ما في اللعب من تفريح للكبت وتنفيس للهم وانصراف عن جدّ الحياة.. مؤقتاً.. إلى لهوها المحلّل، وذلك جدير بأن يحقق شيئاً من التوازن في نفس الحدث، لأنه إذا مُنع في صغره وأُلبس لباس الوقار والرزانة مبكراً.. فقد ينعكس ذلك على نفسه غلاظة طبعٍ وعصبية مفرطة، أو ينعكس ميلاً إلى الهزل والعبث في كبره كردّة فعل على ما حُرم منه، مضافاً إلى أنه ـ وحتى حدود الثانية عشرة ـ لا يزال في طور الطفولة والصبا.. فيبقى اللعب مناسباً له.
نعم لابد من توجيهه نحو الألعاب الموافقة لسنّه والنافعة له، كما لابد من عدم تمكينه من الإفراط في اللعب على حساب درسه أو غيره من الأمور الجادّة التي ينبغي أن يتحمس لها.
6- مواجهة الخطأ.. والعقاب:
لقد قلنا سابقاً إن من الطبيعي أن يخطئ الولد.. بل وأن يتكرر منه الخطأ، من هنا فإن على الولي بالدرجة الأولى أن يساعد ولده على الوقوع في أقل ما يمكن من الأخطاء، وذلك بأن لا يجعله في موقف صعب يضطر معه إلى الخطأ، فلا يُحمّله ما لا يطيق، من التكاليف والأعباء التي يمكن التقدير مسبقاً بصعوبة نهوضه بها، كذلك فإن على المربي قياس درجة الذنب بعمر الصبي لتحديد حجم مسؤوليته وقدراته على تلافيه، ثم بعد ذلك لابد من إتاحة الفرصة أمامه ليتدارك خطأه ويتراجع عنه، بتفهيمه أولاً، وتحذيره في المرة الثانية، ثم معاقبته بعد ذلك.
وفي العقاب.. لابد من الملاحظات التالية:
أ ـ لابد من تعريفه على خطئه أولاً، كي لا يشعر أنه مظلوم عندما لا يفهم وجه الخطأ.
ب ـ لابد من مدحه على ما عنده من إيجابيات، وأنها تشفع له في تخفيف العقاب.
ج ـ يجب التدرج في العقاب، فالتوبيخ الشديد والتهديد القوي.. مع عقوبة نفسية يحرم بها من مصروف أو من نزهة، يمكن أن تكون عقاباً نافعاً في المرحلة الأولى.
ثم إن كان لابد من الضرب فلا يجوز شرعاً تجاوز الخمس أو الست ضربات مع الرفق به.. في أعلى حدّ للعقوبة، لأن ما يزيد عن ذلك يعدّ قسوة منهياً عنها، وهذه القسوة جديرة بإشعاره بالذلّة وتكريس نوع من عدم المبالاة بالألم.
دـ ينبغي تجنب العقوبات التي قد تحدث آثاراً ضارة، من قبيل حرمانه من الطعام، أو حبسه في مكان مظلم أو قذراً، أو تخويفه.
ويستحسن من باقي أفراد الأسرة أن لا يدافعوا عنه، لأن الدفاع عنه يجرئه على ارتكاب الخطأ مرة ثانية حيث يشعره بأنه مظلوم.. أو لأنه يطمئن إلى من سوف يحميه من العقاب، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن لا تشارك الأمّ مثلاً في ضربه مع الأب، لأن ذلك يشعره بفظاعة الخطأ الذي هو غير فظيع بهذه الدرجة ويفقده الأمل بعطف الآخرين عليه، وهو أمر جدير يجعله ميالاً إلى القسوة وكراهية الناس.
ه‍ ـ ومن الضروري جداً أن يكون العقاب بقدر الذنب، بحيث يستشعر الولد العدل في هذا العقاب.
ومن المؤسف أن كثيراً من الآباء لا يقدرون على ضبط انفعالهم عن الضرب لأتفه الأسباب، وهو مظهر لعدم الصبر ولعدم فهم طبيعة الولد وأصول التربية.
-------------------
المصدر : مجلة نور الإسلام/عدد 23/24

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:03 am



مبادىء الاخوة الاسلامية


احمد الكاتب

إن مبادىء الاخوة الايمانية الكفيلة باقامة الوحدة.. وتعزيز اواصر المحبة، وامتصاص عوامل الخلاف والقضاء عليها هي:
1_ التواضع:
وإذا كان التكبر عاملاً من عوامل الصراع.. فان التواضع لابد أن يكون عاملاً من عوامل الوحدة.. ولكن من يمتلك القدرة على التواضع؟ وكيف؟ ولماذا لا يتواضع كل الناس؟
ان المتكبر يشعر بحقارة نفسه.. ولذلك يحاول ان يسد هذا الفراغ بالتعالي على اخوانه وبواسطة الدنيا وعن طريق المال والقوة.. اما المؤمن الذي يشعر بقيمة الايمان وبارتباطه بخالق السماوات والارض.. فانه يشعر بالعزة في نفسه ولا يجد داعياً للتكبر.. ان الايمان بالله هو الخطوة الاولى نحو التواضع..
ولعل الامام الصادق عليه السلام يشير الى هذه الحقيقة عندما يقول:
(ما من رجل تكبرا وتجبر إلا لذلة وجدها في نفسه) بحار الأنوار "225/70"
ولان المؤمن يؤمن بألوهية الله عز وجل.. فانه يحافظ على ميزان علاقاته الاخوية المتساوية مع سائر البشر.. فلا يخضع لعبادة أي احد سوى الله، كما لا يحاول ان يستعلي ويفرض عبادة شخصه على أي أحد من الخلق..
ولذلك يتوجه الى الله تعالى طالباً منه تصحيح العلاقة بينه وبين سائر اخوانه.. والمحافظة على الميزان العادل في نفسه..
يقول الامام زين العابدين عليه السلام في دعاء مكارم الاخلاق:
(اللهم وصلِّ على محمد وآله.. ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا احدثت لي ذلة باطنة عند نفسي مثلها).
حتى لا يشعر الانسان المؤمن بأنه أفضل من غيره وأحق بالعز والاحترام والتقدير.. او انه من طينة أشرف وأسمى..
وينهى الامام ابو عبد الله الصادق اصحابه من الشعور بالتعالي حتى بسبب الايمان والعمل الصالح.. فيقول:
(ان الله تعالى رفع بالايمان من كان الناس يسمونه وضيعاً، اذا كان مؤمناً، ووضع بالكفر من كان الناس يسمونه شريفاً اذا كان كافراً، فليس لاحد فضل على احد إلا بالتقوى) بحار الانوار "299/70"
ومن هنا كان الامام الصادق يوصي اصحابه بالتوجه الى العمل الصالح وتوثيق العلاقات مع الله.. ويقول:
(ان قدرتم ان لا تُعرفوا فافعلوا.. وما عليك ان لم يثنِ عليك الناس؟ وما عليك ان تكون مذموماً عند الناس اذا كنت عند الله محموداً؟)
بحار الانوار "121/70"
وهكذا كان الامام موسى الكاظم عليه السلام يوصي بالتواضع ويحذر من التكبر:
(ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم الى وضعه الله).
ويتوجه الامام الصادق بقوة لمعالجة مشكلة التكبر في صفوف الحركة العلمية والثورية التي نشطت في عهده وعلى يديه.. فيحذر من اتخاذ العلم والثورة وسيلة للتكبر.. ويدعو الى التواضع.. فيقول:
(العز رداء الله والكبر ازاره فمن تناول شيئاً منه أكبه الله في جهنم)
بحار الانوار 213/70
ويقول:
(من طلب الرئاسة لنفسه هلك، فان الرياسة لا تصلح إلا لأهلها).
(اذا أردت أن تقر عينك وتنال خير الدنيا والآخرة، فاقطع الطمع عما في أيدي الناس وعد نفسك في الموتى، ولا تحدثن نفسك انك فوق أحد من الناس!.. واخزن لسانك كما تخزن مالك)
بحار الانوار 168/70.
ويحذر بشدة:
(اياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك)
بحار الانوار 150/70
هؤلاء الذين يحذر الامام زين العابدين منهم.. ويقول انظروا الى محبتهم للرئاسات الباطلة وزهدهم فيها، فان في الناس من خسر الدنيا والآخرة، يترك الدنيا للدنيا ويرى ان لذة الرئاسة الباطلة أفض من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة.. ويحرم من أجلها ما أحل الله ويحل ما حرم الله لا يبالي لما فات من دينه اذا سلمت له رياسته التي قد شقي من أجلها.
بحار الانوار 185/71
ان رسول الله يقول:
(ان من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو يصرف وجوه الناس اليه ليعظموه فليتبوأ مقعده من النار، فان الرئاسة لا تصلح إلا لله ولأهلها، ومن وضع نفسه في غير الموضع الذي وضعه الله فيه مقته الله ومن دعا الى نفسه فقال: "أنا رئيسكم" وليس هو كذلك لم ينظر الله اليه حتى يرجع عما قال ويتوب الى الله مما ادعى).
بحار الانوار 147/74
ويصف الامام علي عليه السلام المؤمن فيقول:
(المؤمن.. أذل شيء نفساً يكره الرفعة ويشنأ السمعة)
بحار الانوار 304/64.
وهكذا يربي الامام الصادق تلاميذه على التواضع وخاصة أبناء الحركة الاسلامية، وطلائع الأمة وقادتها من العلماء والمجاهدين.. سواءاً التواضع فيما بينهم أو بين بقية الأمة.. وذلك من أجل تمتين العلاقات الوحدوية الداخلية.. بين صفوف الحركة الاسلامية.. أو بين الطلائع المجاهدة وبين الأمة.. فما أن يدب التكبر بين مؤمنين اثنين حتى ينسف العلاقات الأخوية بينهما ويفجر الصراع والتناحر بينهما.. وكذلك الأمر بالنسبة الى الأمة كلها..
وغني عن القول ان مبدء التواضع يترك بصماته في كثير من الأمور بحيث يقلب حياة الانسان أو الحركة بصورة كلية ويجعلها أكثر ليونة وتالفاً واتحاداً مع الاخرين إذ أن التواضع نقيض الانانية.. ذلك المرض الذي ينبت التكبر.. ويسمم كافة العلاقات الاخوية..
ومن الامور المهمة التي تتأثر بالتواضع أو التكبر السياسة الاعلامية للشخص أو الحركة.. فاذا كان متواضعاً اتسمت السياسة الاعلامية بحب الآخرين والخجل من مدح الذات.. والابتعاد عن الرياء والتفاخر والمباهاة وتضخيم الاعمال.. في حين تسارع الى تغطية نشاطات الأخوة المؤمنين الآخرين وتكيل لهم المديح وتعظم صغائر اعمالهم الطيبة.
يقول الامام الصادق:
(لا يصير العبد عبداً خالصاً لله عز وجل حتى يصير المدح والذم عنده سواء، لأن الممدوح عند الله عز وجل لا يصير مذموماً بذمهم وكذلك المذموم، فلا تفرح بمدح أحد فانه لا يزيد في منزلتك عند الله ولا يغنيك عن المحكوم والمقدور عليك ولا تحزن أيضاً بذم أحد فأنه لا ينقصك عنك به ذرة، ولا يحط عن درجة خيرك شيئاً، واكتف بشهادة الله تعالى لك وعليك، قال الله عز وجل: "وكفى بالله شهيداً").
ومن لا يقدر على صرف الذم عن نفسه ولا يستطيع على تحقيق المدح له كيف يرجى مدحه؟ ويخشى ذمه؟.. واجعل وجه مدحك وذمك واحداً، وقف في مقام تغتنم به مدح الله عز وجل لك ورضاه، فان الخلق خلقوا من العجين من ماء مهين، فليس لهم إلا ما سعوا، قال الله عز وجل:
(وإن ليس للانسان إلا ما سعى).
وقال عز وجل:
(ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً)
بحار الانوار 294/70
ويعلمنا الامام أمير المؤمنين عليه السلام أن لا نغتر بالدعاية الكاذبة، فيقول:
(رب مفتون بحسن القول فيه)
بحار الانوار 295/70
ويعلمنا تذكر عيوبنا التي يجهلها المادحون والخوف من الله:
(اللهم أنك أعلم من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون، ولا تحاسبنا بما يقولون)
بحار الانوار 294/70
هذا هو المتواضع.. أما المتكبر فانه يفرح بالمدح ويسر ويطالب بالمزيد وقد يعتب اذا قصر المادح عن بعض القابه.. أو غفل عن ذكر بعض "بطولاته".
ويمكننا اكتشاف الفرق بين المتواضع والمتكبر بسهولة من خلال ذكر اسمه مقروناً بصفة العلم والثورية والجهاد.. فاذا رحب بذلك فان ذلك يعني انطواءه على شيء من التكبر.. واذا امتعض واستحيى ولم يبال سواءاً ذكرنا اسمه مجرداً أو مبجلاً.. فانه يدل على مدى التواضع والاخلاص في قلبه..
ان الاعلان عن النفس وطرح الذات من أجل الله.. ومن أجل نشر الدين وقيادة المسلمين أمر جائز ومشروع ولكن التنافس الاعلامي مع المؤمنين ومحاولة طمس ذكرهم والتعميم على نشاطاتهم.. لا يدل إلا على روح التكبر والاستعلاء.. وهو كفيل باثارة حسدهم وغيظهم ودفعهم الى القيام برد الفعل والدخول في معارك اعلامية تجر وراءها معارك يدوية ومسلحة.. أليس كذلك؟.
هذا اذا لم يتحول الاعلام الى سياسة الهجوم وتتبع عيوب الآخرين وفضحهم واسقاطهم من المجتمع.. من أجل الفوز بالزعامة والسلطة وما يترك ذلك من آثار وخيمة على الوحدة الاسلامية بين العاملين.. ودفعهم لانتهاش لحوم اخوانهم والتورط في معارك جانبية.. خطيرة..
ومن هنا كان ضرورياً بالنسبة لسياسة التواضع والكف الاعلامي الالتفات الى عيوب الذات.. والغض عن عيوب الآخرين.. واحترام أعراض وحرمات المؤمنين.. (فكل سعي أخلص عنده من سعيه وكل نفس أصلح عنده من نفسه).
يقول الرسول الأعظم محمد (ص):
(كفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من عيوب نفسه، وان يعير الناس بما لا يستطيع تركه)
بحار الانوار 386/70
وفي مقابل ذلك يدعو الايمان بالانسان المؤمن المتواضع الى الدفاع عن حرمة اخوانه المؤمنين، والذب عن كرامتهم وأعراضهم:
يقول الامام الصادق:
(من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه نصره الله في الدنيا والآخرة، ومن لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر خذله الله وحقره في الدنيا والآخرة)
بحار الانوار 262/72
لا للعصبية:
وهناك جانب آخر للتواضع هو التمسك المتين بقيمة الايمان، وعدم تفضيل أية رابطة عائلية أو قومية أو طائفية أو حزبية عليها.. ونبذ أية حمية جاهلية.. ذلك لأن المتكبر عادة ما يلجأ الى قيمه الجاهلية ويتمسك بشرف قبيلته أو قومه أو فئته.. ويتعصب لهم ويتفاخر بهم في محاولة للاستعلاء على الآخرين.. ويخلق بالتالي بذلك الصراعات القبلية أو القومية أو الحزبية في المجتمع ويهدد وحدة المؤمنين..
ولذلك تعتبر مكافحة العصبية خطوة على طريق التواضع والسلام الاجتماعي والوحدة.. ويعتبر المتواضع مبرءاً من أي نوع من العصبية الجاهلية..
واذا حل الايمان.. ظهر التواضع وارتحل التعصب..
يقول الرسول الأكرم:
(من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية).
بحار الانوار 284/70
ويفسر الامام زين العابدين معنى العصبية فيقول:
(العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم).
بحار الانوار 288/70
وكثيراً من نشاهد في المجتمع وربما في داخل صفوف الحركة الاسلامية، تعصب البعض لأفكار مختلفة أو رجال معينين، تختلف عليها وعليهم الأمة.. ويكون التعصب لها ولهم سبباً من أسباب الصراع والتناحر وتمزيق أواصر الأخوة، والايمان تبعاً لذلك، بحيث يؤدي بأصحابه الى الخروج عن اطار الاسلام..
الاستشارة:
واذا كانت الفردية والديكتاتورية والعجب من سمات التكبر.. فان الاستشارة وقبول النصح والشورى من سمات التواضع، وعلامة من علائم الايمان.. واذا كانت الديكتاتورية سبباً في تمزيق أوصال المجتمع واثارة الاضطرابات.. فان الاستشارة والشورى تزيد في تقوية أواصر الوحدة..
ومن هنا يعالج أئمة أهل البيت عليهم السلام مشكلة العجب والديكتاتورية.. كخطوة على طريق معالجة مشكلة التكبر الكبرى.. وتعبيد طريق التواضع..
يقول الامام الصادق:
(من دخله العجب هلك).
بحار الانوار 209/69
ويقول الامام الهادي:
(من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه).
بحار الانوار 316/69
وبعد أن يحطم أهل البيت عليهم السلام الغرور والعجب في نفس الانسان المؤمن يدعونه الى المرحلة الثانية وهي الاستشارة واحترام آراء الآخرين وقبول النصح..
يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام:
(من استبد برأيه هلك)
(من شاور الرجال شاركها في عقولها.. ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ).
ان الترحيب بالنقد من كل أحد حسن، ولكن من الحاكم أحسن.. وان الاستشارة من كل أحد جميلة.. ولكنها من الخليفة أجمل.. وعندما يقوم بها من يجمع العلم والقوة.. فانها تعتبر قمة في التواضع واللين أمام الشعب.. ومن النادر أن يفتح الحكم صدره لتقبل النقد والتوجيه.. ومن الأندر أن يدعو الناس بنفسه للقيام بذلك.. ولكن هذا ما صنعه الامام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) لكي يعلم تلامذته وشيعته على مدى التاريخ أن يتواضعوا، ويتواضعوا بالرغم من معادلات القوة والمال.. يقول:
(ان من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر، ويوضع أمرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم اني أحب الاطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه، عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي الى الله واليكم، من البقية في حقوق لم أفرغ من ادائها وفرائض لابد من امضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استقالاً في حق قيل لي ولا التماس اعظام لنفسي فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق أن أخطىء ولا آمن ذلك من فعلي ولست بفوق أن أؤمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر.. إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فانما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه الى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد العمى).
بحار الانوار 309/74
لقد ربط الامام هنا في هذه الرائعة بين منطلق التواضع الذي هو العبودية لله، ورفض التجاوز في الاستيلاء، على حقوق الله من التعظيم والتجليل.. وبين دعوة الأمة الى ممارسة دورها السياسي في مواجهة الحاكم.. وابداء النصح والمشورة.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وبين خشيته من نفسه وبين أن يخطيء.. وحاشاه من ذلك وعلى أي حال.. فان تواضع الحاكم يضفي على الدولة طابع الاستقرار السياسي ويمتص غضب الأمة، ويفتح أمامها قناة للتصحيح والتعبير عن آرائها، وإلا اذا كبت الحاكم حرية النقد والتوجيه، استعلاءاً وتكبراً.. ورفض تصحيح أي خطأ أو انحراف.. بل وأصر عليه.. فان ذلك يفجر الصراع ويمزق الوحدة الاسلامية..
2_ الكرم والايثار:
وينطلق من معين الايمان.. والثقة بالله.. فيزرع في قلوب المؤمنين الود والمحبة.. ويقتلع في طريقه أشواك الحسد والبغضاء من القلب..
وذلك لأن المؤمن يزهد في الدنيا ولا يقيم لها وزن جناح بعوضة.. ثم هو يؤمن ان ايمانه يتناقض مع الشح والحسد..
(ان اصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، وإياكم والبخل.. ولا تحاسدوا).
بحار الانوار 254/71
ولا يكتفي أهل البيت عليهم السلام باقتلاع الشح والحسد من قلوب المؤمنين بل يحضونهم على العطاء والايثار والمواساة.. يقول رسول الله:
(لا تزال أمتي بخير ما تحابوا وتهادوا وأدوا الامانة واجتنبوا الحرام وقروا الضيف وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فاذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين).
بحار الانوار 206/68
إذن فان الانفاق والايثار شرط رئيسي من شروط الانتماء للحركة الرسالية الثورية.. وهو كفيل بتعزيز الروابط الأخوية وترسيخ الوحدة.
ولا يقتصر الانفاق على الأموال الشخصية.. وإنما يعم أية حاجة مادية ولذلك كان موضوع قضاء الحوائج للاخوان موضوعاً يركز عليه أهل البيت عليهم السلام بشدة.
يقول الامام الحسين عليه السلام:
(ان حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم).
بحار الانوار 318/71
ويقول الامام الصادق:
(ان لله عباداً في الارض يسعون في حوائج الناس وهم الآمنون يوم القيامة).
بحار الانوار 319/71
أما الامام زين العابدين فيسأل الله تعالى في دعائه اذا دخل شهر رمضان:
(اللهم.. وفقنا فيه لأن نصل أرحامنا بالبر والصلة، وأن نتعاهد جيراننا بالأفضال والعطية، وأن نخلص أموالنا من التبعات وأن نطهرها باخراج الزكوات).
3_ مبدء الحق:
ان قيام المجتمع على ميزان الحق.. وتوازن العلاقات بين الفرد والمجتمع يضمن سلامة الأمن والاستقرار والوحدة.. أما اذا اختل الميزان.. فان كافة العلاقات تتدهور.. ويشيع الظلم والحقد والفساد..
ومن الطبيعي ان يلتزم المؤمن بميزان الحق في كافة علاقاته ومعاملاته وأن يتجاوز المنافق ذلك.. ويقيم علاقاته على أساس من الهوى والمصلحة غير آبه لسخط الله أو خائف من عقابه يوم القيامة، وقد يحافظ المرء على علاقاته متوازنة، في حالته الطبيعية، ولكنه يركل ميزان الحق اذا أفرط في السخط والرضا.. ولذلك يقول الامام الصادق عليه السلام:
(إنما المؤمن اذا سخط لم يخرجه سخطه من الحق واذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، واذا قدر لم يتعاط ما ليس له).
بحار الانوار 289/64
ويقول الرسول الأعظم:
(قل الحق وان كان مراً).
بحار الانوار 107/67
ومن الواضح ان لقول الحق دوراً كبيراً في اطفاء نيران المشاكل والخلافات والقضاء على جذور الصراع.. فان من يقول الحق ولو كان على نفسه.. لا يقوم بظلم أي أحد.. وبالتالي فانه يحافظ على علاقاته متوازنة عادلة مع الآخرين..
4_ العفو والحلم:
ويلعب الحلم والعفو وكظم الغيظ دوراً كبيراً كذلك في امتصاص عوامل التوتر والصراع في المجتمع، وهو في الحقيقة الوجه الآخر لعملية الالتزام بالحق اذا ما تجاوز الآخرين، واعتدوا على الانسان المؤمن أو غمطوا حقه.. فلا يكتفي هو بالتزام الحق واداء الحقوق للآخرين.. وإنما يسامحهم عن حقوقه ويظم غيظه عنهم.. ويتجاوز عن مسيئهم.. وهذه قمة اللا أنانية على العكس من المنافق الذي لا يؤدي حقوق اخوانه ويثور بغضب اذا ما نال الآخرون شيئاً من حقوقه..
يقول رسول الله (ص):
(عليكم بالعفو، فان العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فتعافوا يعزكم الله).
بحار الانوار 401/68
ويقول حفيده الامام الصادق (ع):
(ثلاث لا يزيد الله بهن المرء المسلم إلا عزاً: الصفح عمن ظلمه واعطاء من حرمه والصلة لمن قطعه).
بحار الانوار 403/68
ويعلم أصحابه:
(انا أهل البيت مروتنا العفو عمن ظلمنا).
بحار الانوار 414/68
واذا تساءلنا عن حدود العفو؟ فان الامام موسى بن جعفر الكاظم يجيبنا:
(ان أتاكم آت فأسمعكم في الاذن اليمنى مكروهاً ثم تحول الى الأذن اليسرى، فاعتذر وقال: لم أقل شيئاً فاقبلوا عذره).
بحار الانوار 425/68
ولكن اذا كان الانسان مطبوعاً على سرعة الغضب ورد العدوان.. فماذا يفعل؟.. يقول الامام أمير المؤمنين:
(ان لم تكن حليماً فتحلّم.. فانه قلّ من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم).
بحار الانوار 427/68
5_ الأخلاق الحسنة:
وتلعب الأخلاق الحسنة هي الاخرى دوراً مهماً في تمشيط الاضغان من القلوب ونثر ورود المحبة.. على طريق الوحدة.
يقول الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه:
(حسن البشر يذهب بالسخيمة).
بحار الانوار 472/71
ويعتبر النبي البسمة الحلوة مع الاخوان دلالة على الايمان:
(المؤمن بشره في وجهه.. وحزنه في قلبه.. أوسع شيء صدراً).
بحار الانوار 411/66
ويدعو الرسول الى اظهار الحب والتودد الى الناس ويعتبر ذلك علامة على العقل.
(رأس العقل بعد الدين التودد الى الناس واصطناع الخير كل بر وفاجر).
بحار الانوار 252/71
ان الاخلاق الحسنة تنبع من الحب.. فاذا كره المؤمن أخاه غطى الكره ملامح وجهه وعقد لسانه.. وخطف البسمة من شفتيه.. ولذلك يدعو الاسلام الى كنس الحقد من القلب.. والتصميم على الحب والمبادرة اليه، يقول الامام الصادق(ع):
(ان المسلمين ليلتقيان فأفضلهما أشدهما حباً لصاحبه).
بحار الانوار 250/66
فمن منا لا يرغب أن يكون أفضل من صاحبه عند الله؟!.. إذن فلنزرع الحب في قلوبنا تجاه جميع المؤمنين سواءاً كانوا قريبين لنا أو بعيدين بأي نوع من النسبة، حتى نصبح أشبه شيء برسول الله!.
واذا وجد المؤمن قلبه يمتلأ حقداً فجأة من بعض الاخوان نتيجة تصرفاتهم اللا ودية معه.. فانه مطالب بتفريغه بسرعة.. ولا يسمح للحقد أو الكراهية أن يعشعشا في قلبه.. يقول الامام الصادق:
(حقد المؤمن مقامه.. ثم يفارق أخاه فلا يجد عليه شيئاً وحقد الكافر دهره).
بحار الانوار 211/72
أي انه يعتبر من يخزن الحقد ضد المؤمنين.. بمثابة الكافر!.. واذا ما قال أحد بأنه مضطر لمبادلة الآخرين الذين يكرهونه ويكنون عليه الحقد، فان الامام يقول:
(احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك).
بحار الانوار 212/72
وربما يقطب الانسان وجهه ويسيء خلقه من دون أي حقد داخلي، وحتى مع أهله واخوانه، بسبب من بعض المشاكل والهموم والاحزان.. فيؤدي ذلك الى تعكير علاقاته الطيبة مع اخوانه من دون ارادته.. وهكذا يفقدهم واحداً بعد الآخر.. وقد يقع في كثير من الأخطاء التي تخرب عمله وتفسد جهاده.. ولذلك فانه مطالب بالسيطرة على الحزن والهم.. وحتى الحقد اذا كان في قلبه شيء منه تجاه منافق..
يقول الامام الصادق:
(صانع المنافق بلسانك واخلص ودك للمؤمن، وان جالسك يهودي فاحسن مجالسته).
بحار الانوار 152/71
أما الرسول الأعظم فيقول:
(أبى الله لصاحب الخلق السيء بالتوبة، قيل وكيف ذلك يا رسول الله قال: لأنه اذا تاب من ذنب وقع في أعظم من الذنب الذي تاب منه).
بحار الانوار 299/70
وفي الحقيقة ان بعض الناس يقيمون علاقاتهم على أساس المادة والدنيا والمصلحة.. فاذا كان ثمة شيء من ذلك فانهم يجاملون ويبتسمون ويظهرون الود والملق.. واذا لم يكن شيء من ذلك.. فان علاقاتهم يسودها العبوس والتجهم والاحتقار، ولذلك فان أهل البيت عليهم السلام يؤكدون بشدة على اقامة العلاقات على أساس الايمان.. وفي سبيل الله حتى لا تتعرض للاهتزاز مع انقلاب معادلات المال والقوة.. يقول الامام أمير المؤمنين:
(لتجمع في قلبك الافتقار الى الناس والاستغناء عنهم، يكون افتقارك اليهم في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك).
بحار الانوار 158/71
والسؤال الآن كيف نطبع علاقاتنا على الحب والمودة؟.. وهل يمكن أن ينمو ذلك بصورة عفوية؟.. بالطبع لا.. وإنما لابد من أمور.
1_ المصافحة، يقول الامام الصادق:
(إن المؤمنين ليلتقيان فيتصافحان فلا يزال عز وجل مقبلاً عليهما بوجهه والذنوب تتحات عن وجوههما حتى يفترقا).
بحار الانوار 64/64
2_ التوقير، يقول الامام الباقر:
(عظموا أصحابكم ووقروهم ولا يتجهم بعضكم بعضاً ولا تضاروهم وكونوا عباد الله المخلصين).
بحار الانوار 254/71
3_ التزاور، يقول الامام الباقر:
(ان العبد المسلم اذا خرج من بيته زائراً أخاه لله لا لغيره، التماس وجه الله، رغبة فيما عنده، وكل الله عز وجل به سبعين ألف ملك ينادونه من خلفه الى أن يرجع الى منزله: "ألا طبت وطابت لك الجنة").
ويسأل الامام الصادق أحد أصحابه:
(يا فضيل.. تجلسون وتحدثون؟.. قال نعم جعلت فداك، قال: ان تلك المجالس أحبها فاحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا).
بحار الانوار 351/77
(المؤمن ألف مألوف) فان المؤمن ينبغي أن يكون ألفاً مستأنساً بالخلق ومستأنساً به، غير نافر منفر.. ولا منفور منه.. موافقاً غير منافق، محالفاً غير مخالف، مناصحاً غير مفاضح.
5_ الرفق واللين، وخاصة في النشاطات السياسية، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الامام الصادق:
(ما زوي الرفق عن أهل بيت إلا زوي عنهم الخير).
وكما في سائر النقاط.. كذلك هنا.. لابد من ممارسة الرفق واللين حتى مع من يمارسون الشدة والغلظة.. لأنها الطريقة الوحيدة لامتصاص شرهم.. ودفعهم لتغيير سلوكهم..
وبالنسبة إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول الامام الصادق: انما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر من كانت به ثلاث خصال:
1_ عالم بما يأمر وعالم بما ينهى.
2_ عادل فيما يأمر وعادل فيما ينهى.
3_ رفيق بما يأمر ورفيق بما ينهى.
إذن فان النشاط السياسي والنقد والاصلاح.. يجب أن يراعي كرامة الآخرين ومشاعرهم وان يتم بالرفق واللين والمداراة.
و (أعقل الناس أشدهم مداراة للناس، وأذل الناس من أهان الناس).
كما يقول الرسول الاعظم (ص).
6_ التصميم على الوحدة، رغم الظروف والتباعد الجغرافي، فضلاً عن نبذ الخلاف والتفرق في الآراء.. يقول الامام الباقر (ع):
(الشيعة.. أولئك الخفيض عيشهم المنقلة ديارهم، القليلة منازعتهم.. ان خاطبهم جاهل سلموا، لم يختلف قولهم وان اختلفت بهم البلدان).
ولا يقتصر المؤمن على اقامة الوحدة بينه وبين الآخرين.. بل انه يحمل مسؤولية الوحدة في المجتمع الاسلامي.. وخصوصاً بين العاملين في الحركة الثورية الاسلامية.. فان الخلافات قد تدب بين هذا وذاك، وقد تتطور فتمزق الصفوف وتؤثر على الآخرين عندما يحاول كل طرف ان يكسب مزيداً من المؤيدين الى صفوفه.. ولذلك يقول الامام الباقر أيضاً.
(ان الشيطان يغري بين المؤمنين.. فرحم الله امرأ ألّف بين وليّين لنا، يا معشر المؤمنين تآلفوا وتعاطفوا).
بحار الانوار 187/75
واذا كان هناك بعض المشاكل العالقة بين المؤمنين والعاملين، فان حلها لا يتم بالتباعد والتفرق، وإنما بالحوار الهاديء والمزيد من اللقاءات، والتصميم على الوحدة.. فان التشرذم والخروج على الجماعة أهون ما يكون.. وان المحافظة على الوحدة والانسجام والتآلف هي الجهاد بعينه..
(اياك وهجران أخيك، فان العمل لا يتقبل من الهجران).
بحار الانوار 89/74
وهكذا يحارب الامام أمير المؤمنين (ع) القطيعة ويدعو الى الصلة والحوار والوحدة:
(أ؛مل نفسك من أخيك عند صرمه اياك على الصلة، وعند صدوره على لطف المسألة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو وعند شدته على اللين، وعند تجرمه على الاعذار حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو النعمة عليك (ويحذر) وإياك أن تصنع ذلك في غير موضعه أو تفعله في غير أهله.. ولا تطلبن مجازاة أخيك وان حثا التراب بفيك.. ولا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب.. ولن لمن غالظك فانه يوشك أن يلين لك.. وان أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية يرجع اليها ان بدا له ولك يوماً ما).
بحار الانوار 197/74
ومن الامور التي تمزق الوحدة وتزرع البغضاء: المراء والجدال والخصومة وسرعة اللوم وكثرة الانتقاد والمشاورة:
يقول الامام علي بن أبي طالب (ع):
(إياكم والمراء والخصومة فانهما يمرضان القلوب على الاخوان وينب عليهما النفاق).
بحار الانوار 299/70
وأخيراً.. اذا ما أضطر المؤمن الى الافتراق عن أخيه وعدم التعاون معه فانه يحافظ على لسانه.. ولا يستمر في الحديث ضده اذا قام واذا قعد فانه يفارق بحسن.. ويخالف بحسن.. ولا يتورط أبداً في الدخول في مهاترات اعلامية تزيد في العداء والتفرقة ولا تصلح شيئاً..
يقول الامام الباقر (ع):
(ان الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين).
بحار الانوار 161/71
وقد قال رسول الله (ص):
(ألا أخبركم بشراركم؟.. قالوا بلى يا رسول الله.. قال المتفحش اللعان الذي اذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم، واذا ذكروه لعنوه).
الية الوحدة والحرية في الاسلام

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:05 am


معالجة الصلاة للهلع في الشخصية

الهلع هو فقدان الثبات في الشخصية وسرعة التغير بالمؤثرات المختلفة التي تتوارد على النفس.
لا أقصد بذلك: التغير من الرضا إلى الغضب ومن الحزن إلى الفرح ومن الهدوء إلى الثورة فإن ذلك من لوازم بشرية الانسان وإحساسه بما في نفسه وحياته.
ولكن أقصد به تناقض الانسان في مواقفه ومشاعره ومع نظرته للحياة.
فالانسان الذي يتأثر بمؤثرات الحياة المختلفة دون أن يخرجه ذلك عن منهجه في فهم الحياة والإحساس بها.. ليس إنساناً هلوعاً.
أما الانسان الذي يتقلب في مواقفه اليومية كفصول السنة فهو الانسان الهلوع.. الذي يرى الحياة روضاً جميلاً، ثم إذا نزلت به مشكلة رأى الحياة جبلاً كالحاً.. هو الانسان الهلوع.
والذي يرى في الوفاء قيمة انسانية ثم يرتكب الخيانة لأن فيها مكسباً عاجلاً، هو الانسان الهلوع.
والذي يؤمن بأن تقييم الناس يكون بمحتواهم النفسي من الاستقامة ثم تأخذه المؤثرات المظهرية فيقيمهم بأموالهم ومناصبهم.. هو انسان هلوع.
والذي تتغير شخصيته ومفاهيمه بسبب من الفقر والغنى والمرض والصحة والحب والبغض، وهذه البيئة أو تلك.. هو الانسان الهلوع.
وما أكثر الأمثلة وألوان الهلع في الناس وحياتهم..
والهلع سمة أصيلة من سمات أنفسنا، يتصل وجودها بتكوين الأنفس، يقول الله عزوجل: (إن الانسان خلق هلوعاً. إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً) هكذا هلوعاً.. الضعف فيه قاعدة والثبات منه استثناء، ولم يكن بد من هذا التكوين لأن جهاز النفس يجب أن يكون جهازاً حيوياً مرهف الالتقاط.. وفي ظروف تكثر فيه جهات الارسال وتتنوع الموجات يحدث أن يمتلئ الجهاز بالموجات الطولية والعرضية السالبة والموجبة المتواردة عليه.
يخرج أحدنا إلى عمله فيسعده التوفيق بصديق حميم طالما اشتاق إلى رؤيته فيعتنقان بدموع الفرح وذكريات الأخوة، فتمتلئ نفسه حباً للحياة ومعانيها وأشيائها.. حتى إذا زحمه العمل وأزعجه أحد الأشياء أو الناس امتلأت نفسه نفرة من الناس وغيضاً.. ثم إذا تسلم مرتبه الشهري عاد الرضا إلىنفسه.. فإذا رجع إلى منزله ووجد طفلته قد فجأها المرض عادت الحياة سوداء في عينيه، فإذا غادرتها الحمى في وقت لاحق من الليل وارتاحت إلى نوم رفيق، عادت نفسه مزيجاً من الرضا والغضب والألم والراحة!
في يوم واحد تتوارد على نفس أحدنا ألوانا الشر والخير.. فما بالك بحياتنا الطويلة، وهي مسيرة بين الأشواك والزهور في سهل الدرب وحَزَنه ونسيمٍ عليل وسَمومٍ لافح.. نعماء وضراء ومسرات وآلام..
فهل لأقدامنا أن لا تدمى بالشوك؟ وهل لقولبنا أن لا تنتعش بشذى الورود؟ وهل لأنفسنا أن تتحول إلى جهاز جامد فلا تخفق بما يرد عليها فلا تهلع إلى خير ولا تهلع من شر؟
يبدو أن الهلع في الشخصية أمر لا مفر منه ما دام ينبع من إرهاف أنفسنا واختلاف المؤثرات في حياتنا.
لكن الاسلام يرى أن باستطاعة الانسان أن يتخلص من الهلع، بل ويرى في الهلع تناقضاً في الشخصية وتمزقاً ضاراً.
أن تعيش في الحياة وتمارس خيرها وشرها، ذلك ما لا يمنع أن تكون نفسك ثابتة النظرة موحدة المشاعر متعالية على ما ينتابها من المؤثرات.
ومفتاح ذلك في رأي الاسلام أن تعرف المفهوم الواقعي للخير والشر: إن ما تراه يملأ حياة الناس من (خير وشر) ليس هو بالحقيقة خيراً ولا شراً. فلا الفقر ولا المرض ولا الآلام والنكبات والموت بشر ولا خير.. ولا الغنى والرفاه ولا الجاه العريض والقوة الواسعة بخير ولا شر.. إنها جميعاً عناصر أولية وعجائن بيديك تجعلها خيراً أو شراً..
قد ترى أنك إذا كنت في وفرة المال ورغادة من العيش أنك في خير.. أو ترى إذا كنت في ضنك أنك في شر.. يقول لك الله تعالى، كلا: (فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمن. وأما إذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أهانني. كلا) الفجر/ 15-17.
فلا هو التكريم والخير في النعماء، ولا هي الإهانة والشر في الضراء.. إنما هما صحيفتان مقدمتان لك تملأ كلا منهما بما شئت.. فقد تكسب بثروتك شراً وقد تكسب خيراً، وقد تكسب بفقرك خيراً وقد تكسب شراً.. والحاكم والمحكوم والقوي والضعيف والجميل والدميم والذكي والغبي والمشهور والمغمور كل منهم قد يكسب بما هو فيه خيراً وقد يكسب شراً، لأنهم جميعاً يملكون عجائن قابلة للتحويل إلى الخير وإلى الشر وبدرجات واحدة من القابلية.
هذا هو التقييم الاسلامي لأشياء الحياة وللمؤثرات الناتجة عنها: مواد خام من نوع واحد لا بالخير ولا بالشر وإن تراءت لأعيننا خيراً وشراً.. ومن ثم وجب في نظر الاسلام أن تمس هذه المؤثرات سطح النفس مساساً دون أن تنفذ إلى عمقها. وأن يكون المنبع لمواقف النفس وأحاسيسها الخير الحقيقي لا المظهري: رضا الله تعالى ورضاه وحده.. رضا الله الذي هو تحويل المادة الخام إلى خير، تحويل الابتلاء إلى نجاح.. فبهذا تطمئن النفس إلى الخير الحقيقي وتتخلص من الهلوع صعوداً وهبوطاً مع ما يتراءى لها من خير وشر:
عن الإمام الصادق (ع) قال: "عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عزوجل له قضاء إلا كان خيراً له، إن قُرّض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له!" الكافي/ ج2/ ص62.
إنه الخير المطلق المضمون من مصدره الموصول في منبعه تتنعم فيه النفس المؤمنة وهي تمشي بين الأشواك والورود وتقطع الحياة بنعمائها وضرائها دون أن تجزع من ضراء أو تطغى في نعماء دون أن تخضع في مواقفها وأحاسيسها لمؤثرات الخير والشر الظاهريين..
وكذلك الإيمان يتعالى بالنفس عن الهلع بمؤثرات الحياة ويهبها الطمأنينة في كل حال:
يروى انه عندما أوثق البابليون نبي الله إبراهيم (ع) ووضعوه في المنجنيق ليلقوا به في نارهم المضطرمة، أتاه جبريل (ع)، فقال له: ألك حاجة؟ فأجابه (ع) باطمئنان: أما إليك يا أخي فلا!
ويخرج الرسول (ص) من بلده مكة مهاجراً برسالته بعد أن أجمع المكيون على عدائه وقتله فلا تنفذ إلى نفسه الشريفة ذرة من الحزن أو الجزع، ثم يدخل مكة فاتحاً في جيش من جند الله فلا تنفذ إلى نفسه الشريفة ذرة من زهو الانتصار الشخصي بل يدخل خاشعاً ساجداً على قربوس جواده!
ويقول علي (ع) عن نفسه وهو الصادق: والله لا تزيدني كثرة الناس حولي أنسا ولا تفرقهم عني وحشة!
وفي يوم عاشوراء يخاطب الحسين (ع) ربه عزوجل فيقول: هوِّن ما نزل بي أنه بعينك!
وتتقدم شقيقته زينب بعد مصرعه فلا تلطم خداً ولا تشق جيباً وإنما تقول: اللهم تقبل منا هذا القربان!
وتحل النكبات بالمؤمنين عبر التاريخ فلا يرون فيها إلا رضوان الله، ويقطعون الحياة بحلوها ومرارتها فيرونها حلوة كلها برضوان الله.
إن الشخصية المؤمنة هي الاستثناء الوحيد من الهلع المرير الذي يعصف بالناس من حولك.. فمن أين تملك يا ترى هذه الوحدة الجميلة في الموقف والإحساس، وتنتصر بها على سمة الهلع العميقة؟
يحدد القرآن الكريم ثماني صفات لهذه الشخصية، ولا تعجب حينما تجد الصفة الأولى والأخيرة منها تتصل بالصلاة ودورها في معالجة الهلع: (إن الانسان خلق هلوعاً، وإذا مسّه الشر جزوعاً، وإذا مسّه الخير منوعاً).
إلا المصلين، الذين هم على صلاتهم دائمون:
والذي في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم
والذين يصدقون بيوم الدين
والذين هم من عذاب ربهم مشفقون
... والذين هم لفروجهم حافظون
... والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون
والذين هم بشهاداتهم قائمون
(والذين هم على صلواتهم يحافظون.. أولئك في جنات مكرمون) المعارج/ 19-35. والمقصود بالدوام على الصلاة في الفقرة الأولى الدوام على النوافل، وبالمحافظة على الصلوات في الفقرة الأولى الدوام على النوافل، وبالمحافظة على الصلوات في الفقرة الثامنة المحافظة عهلى الفرائض ـ كما عن الإمام الباقر (ع) ـ الوسائل/ ج3/ ص51، وبهذا يكون المعنى، أن مداومة الانسان على صلاة النافلة ومحافظته على صلاة الفريضة هما عاملان على رأس وفي ختام ثمانية عوامل للتخلص من الهلع وكسب الاطمئنان والوحدة في الشخصية.
إن الإيمان بالمفهوم الواقعي للخير والشر إنما يمثل الجانب النظري من تماسك الشخصية ولذا قلنا أنه مفتاح الانتصار على الهلع في نظر الاسلام. أما الجانب التطبيقي فهو تحويل هذا المفهوم إلى قرارة في النفس ورؤية يومية فيها.. وأي شيء ينهض بذلك غير الصلاة؟
في أيامك الطويلة التي تقطعها بين مؤثرات الحياة وضغوطها على نفسك وعصفها برؤيتك ومشاعرك فلن تجد في الحياة دوحة تعيد إليك اطمئنانك وتثبت في قلبك بصيرته وهداه إلا دوحة المثول بين يدي الله والاغتراف من معينه والاعتصام به.
الدوحة الظليلة التي تدخلها متعباً من الأثقال مشوشاً من لبس الهوى واعوجاج الناس، وما أن تستظل بركعتين منها حتى تنزاح عنك الأتعاب وينكشف عن قلبك الهوى. وتستقيم لك البصيرة، فتعود جديداً لحياتك مليئاً بالحياة.
انظر إلى نفسك عندما تريد أن تأوي إلى فراشك كم هي محملة من عناء النهار ومثقلة بالمشاكل والمشاغل والأهواء، ثم توضأ لله وأحضر قلبك أمامه في ركعتين لترى نفسك نفساً جديدة انزاحت عنها الأثقال حتى اطمأنت وأنجاب عنها الهوى حتى شفت.
وانظر إلى سرائك وضرائك، إلى كل ما يملأ نفسك ويعترض أيامك من ثمرات الحياة من تعب وارتياح وفقدان ووجدان ودموع وبسمات، كيف إذا مزجتها بالصلاة وهبتك الصلاة فيها البصيرة، وأنارت لك الجادة، وأسغت لك مرارة الحنظل، وعطّرت لك هناءة النعيم..
المصدر : فلسفة الصلاة

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:07 am



معنى الأخلاق في اللغة


د. محمد سعد فشوان

لعل ذكر التفسير اللغوي لكلمة "الأخلاق" يكشف عن مفهومها في عصر ما قبل الإسلام، لأن الإسلام أعطى لها قيما جديدة، وجعل معناها أكثر شمولاً وتحدداً عما كان عليه من قبل.
... والخلق: الخليقة أي الطبيعة، وفي التنزيل: "وأنك لعلى خلق عظيم"، والجمع: أخلاق، لا يكسر على غير ذلك، والخلق: السجية، يقال: خالص المؤمن، وخالق الفاجر، وفي الحديث "ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق"، الخلق: بضم اللام وسكونها وهو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنية، وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، وقد تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع".
"ورجل لا خلاق له أي لا رغبة في الخير، ولا في الآخرة، ولا صلاح في الدين، وقال المفسرون في قوله تعالى: "وما له في الآخرة من خلاق" الخلاق: النصيب من الخير.
وقد عرفه الجرجاني في كتابه "التعريفات" فقال: "الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة يصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فان كانت الهيئة بحيث يصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة سميت الهيئة خلقاً حسناً، وان كان الصادر منها الأفعال القبيحة سميت التي هي المصدر خلقاً سيئاً.
وإنما قلنا: أنه هيئة راسخة، لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه، وكذلك من تكلف السكوت عند الغضب بجهد أو روية لا يقال خلقه الحلم، وليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل أما لفقد مال،، أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل للباعث، أو رياء".
ومن التعريفات السابقة ندرك أن الأخلاق كانت تستعمل بمعنى فضائل النفس، أو بمعنى الطبائع والسجايا كيفما كان نوعها.
وأن الخلق بضمتين، أو بضم فسكون يرد في اللغة بمعنى الطبيعة، والدين على ما يرويه القاموس واللسان، وبمعنى المروءة على ما ينفرد القاموس بروايته.
وأن استعمال الخلق بمعنى الفضائل صحيح لا تنكره أصول اللغة، فالدين وهو أحد معانيه يقوم على توحيد الله وطاعته، والتحلي بالفضائل، والمروءة وهي معنى آخر من معانيه يفسره القاموس وغيره بالإنسانية أي حقيقة الإنسان، ومعناه في أسمى حالاته وأدناها إلى الكمال، وإنما يكون ذلك حين تجتمع له فضائل النفس، وخصال الخير، فاستعمال الخلق بمعنى الفضيلة يجاز على الحالين، لكنه حين ينقل إليها من معنى الدين بكون من استعمال اللفظ في شطر معناه، وحين ينقل إليها من معنى المروءة يكون من قبيل استعمال اللفظ في لازم معناه.
ولا يوافق الأستاذ علي النجدي ناصف في كتابه (الدين والأخلاق في شعر شوقي) على هذا الاستعمال ـ مع صحته ـ لأنه ـ أولاً ـ يخالف استعمال علماء الأخلاق، وفهمهم لمعناه، فهم يعرفون الخلق بأنه الميل يتغلب على النفس فتستجيب له، ولا تستجيب لنقيضه أبداً، والميل ـ كما لا يخفى ـ عام، قد يكون إلى فضيلة، وقد يكون إلى رذيلة، فالشجاعة خلق، والجبن خلق، لأن كليهما ميل يتغلب على النفس فتثبت للمخاطر والآلام، أو تجزع لها، وتتزايل دونها، وهذا التفسير يطابق تفسير صاحب (اللسان) للخلق، إذ يقول: "وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنية.." الخ، ولعله استعار هذا التفسير من علم الأخلاق، إذ رآه وتفسير اللغة متطابقين.
وهو ـ ثانياً ـ لا يوافق على هذا الاستعمال، لأن الفضائل النفسية في غنى عنه، فأنها لها أسماء خاصة بها، كما أن لضدها أسماء خاصة بها كذلك، لها المكارم والمحامد والمناقب، وغيرها، فما حاجتها إذا إلى هذا الاسم المشترك يطلق عليها وعلى نقيضها احتمالاً في اللغة والأدب، ويطلق عليها قطعاً في علم الأخلاق، وأي مزية من البيان أو الذوق تدعو إلى هذا التخليط؟ نعم هو تخليط لا تخصيص، لأن علم الأخلاق ماض في استعمالها بمعنى الطبائع ما كانت، ولا أمل أن يعدل عن ذلك بعد ما مضى عليه من عصور، وتعاقب من أجيال، والأدب واللغة لا يلتزمان استعمالها بمعنى الفضائل، ولا أمل في أن يعدلا عن ذلك أيضاً، ولو قدر فرضاً أن يفعلا حتى صارت الأخلاق عندهما تستعمل بمعنى الفضائل على وجه من الأوجه الفنية المقررة لذلك لظلت باقية على استعمالها في الأخلاق بمعنى الطبائع بغير تقييد، والاشتراك ـ كما هو معلوم ـ مدعاة للتلبيس والإبهام، وهما ينافيان البيان الذي هو المقصود بالخطاب والتعبير.
وثالث الأمور التي بنى عليها الأستاذ رأيه أن المأثور من نصوص الأدب التي وصلت إلينا من عصرى الجاهلية والإسلام تخذله وتنصر خلافه.
ومن أمثلة ذلك قول هند بنت عتبة لأبيها عتبة بن ربيعة وقد خطبها رجلان من قومها وصفهما لها أبوها: "أني لأخلاق هذا لموافقة، وأني له لموافقة" فسمت كل ما ذكر أبوها من صفات صاحبها "أخلاقاً"، وفي هذه الصفات "أن حاج فغير منزور، وأن نوزع فغير مقهور"، وهما من المحامد التي لا خلاف عليها، وفيها "سريع الطيرة" أي الخفة والطيش، وهي من العيوب التي لا خلاف عليها كذلك، وفيها "شديد الغيرة" وهي من الأمور التي يختلف النظر إليها، والرأي فيها، باختلاف البيئة، وأحوال العصر، وقد أدخلها أبن طباطبا ضمن المثل الأخلاقية عند العرب.
ومدح الله رسوله في القرآن الكريم فقال: "وأنك لعلى خلق عظيم".
وقال عليه الصلاة والسلام: "أن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".
حيث خصص الله عموم الخلق في الآية بصفة العظمة، وخصصه الرسول بصفة الحسن، ومعنى ذلك أنه لا يدل فيها على أكثر من معنى الطبيعة، ولما كان المقام في الآية للمدح، وفي الحديث للاشادة بالفضيلة والترغيب زيدت صفة تعين المراد في كل نص، ولو كان معنى الخلق هنا مرادفاً لمعنى الفضيلة لم يكن ثمة داع لزيادة تلك الصفات.
ومعلوم أن الإسلام قد ربط "المروءة" ـ التي هي معنى من معاني الأخلاق ـ بالعقيدة، فأصبح المسلم يصور إيمانه بالدين الجديد، وحث المسلمين على حسن الخلق، والعفو عن الإساءة.
وقد عبر الشعراء في صدر الإسلام عن ارتباط الأخلاق بالدين، وأكدوا أن تعاليم هذا الدين تسمو بالنفس الإنسانية الدنية، وتحث المسلمين على الخير.
--------------------------
المصدر : الدين والأخلاق في الشعر

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:07 am



معنى البر

فضيلة الاستاذ: محمد حسن شبانه

قال الله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون).
طعن السفهاء من الناس حين أمر المسلمون بالاتجاه نحو الكعبة في صلاتهم وقالوا: (ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) مع ان اليهود كانوا يستقبلون المغرب والنصارى كانوا يستقبلون المشرق، فنزلت هذه الآية رداً عليهم مؤكدة ان حقيقة البر ليست في استقبال مشرق ولا مغرب، وإنما البر الذي ينبغي أن يهتم به العاقل، ويجدّ في تحصيله يتحقق بأمور اشارت اليها الآية الكريمة.
والبر لفظ جامع لخصال الخير التي تستهدف مرضاة الله عز وجل وقد أشارت الآية إلى هذه الخصال جميعاً تصريحاً أو تلويحاً وهي مع تعدد صورها تنحصر في ثلاث: صدق العقيدة، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس أشير إلى الأولى بالايمان بما ذكر وإلى الثانية بإيتاء المال مصارفه وإلى الثالثة بإقامة الصلاة وما عطف عليها.
فالبر إيمان بالله وحده، ايماناً لا يرقى اليه شك، ولا يخالطه ريب، وهو ايمان باليوم الآخر، يوم تجزى كل نفس بما كسبت وايمان بالملائكة عبادا مكرمين وايمان بالكتب السماوية المنزلة على أصحاب الرسالات الإلهية بألسنة أقوامهم وايمان بالنبيين جميعاً بلا تفرقة بين أحد منهم.
والبر كذلك انفاق للمال على حبه في مصارفه المشروعة وصاحبه يخشى الفقر ويأمل الغنى والمراد بايتاء المال، صدقة التطوع ومن مصارفه. المحاويج من ذوي قرابة المنفق واليتامى الذين فقدوا العائل، والمساكين الذين قست عليهم ظروف الحياة والمسافر ابن السبيل الذي تقطعت به أسباب العيش والسائلون الذين ألجأتهم الحاجة إلى ذل السؤال، وفي الرقاب المطلبون ببعض المال لمواليهم حتى يتحرروا من أسر الرق. والبر كذلك إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المفروضتين.
ثم تستطرد الآية في ذكر جوانب البر فتقول: (والموفون بعدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) فمن البر الوفاء بالعهود التي لا تحل حراماً ولا تحرم حلالاً، ومنه الصبر على عنت الحياة والاصطبار حين البأس كفاحاً للعدو في مواطن الحرب.
هذه هي حقيقة البر وخصاله، وصف المولى عز وجل أهل البر بالصدق نظراً لقوة ايمانهم واصالة اعتقادهم، ثم وصفهم بالتقوى نظراً لحسن معاشرتهم مع الخلق، _ومعاملتهم مع الحق _ وعلى الصدق والتقوى يحثنا الرسول الأكرم بقوله »من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان«.
-----------------------------------
المصدر : القرآن / نظرة عصرية جديدة

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:08 am



مَوازينُ الإيمَانِ والمؤمنينْ في القرآنِ الكَريم


عز الدين بليق

ان من سِماتِ المؤمنين ابتعادُهُم عن الحَمِيّةِ الجاهلية، وتحلِّيهم بالسكينة، والتزامُهُم بكلمةِ التقوى:
(إِذْ جَعلَ الَّذينَ كَفَرُوا فِي قُلوبِهِمُ الحَميَّةَ حَميَّةَ الجَاهليَّةِ فَأَنزلَ اللهُ سَكِينتَهُ عَلى رَسُولهِ وَعَلَى المُؤمِنينَ وَأَلزَمَهُمْ كَلِمةَ التَّقوَى وَكَانُوا أَحقَّ بِهَا وَأَهلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليماً) (سورة الفتح/ 26).
وإيثارُهُم محبَّة الله عمَّا سواه:
(وَمنَ النَّاسِ مَن يَتَّخذَ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحبُّونَهُم كَحبِّ اللهِ وَالَّذينَ أَمَنُوا أَشدُّ حُبّاً للهِ) (سورة البقرة/ 165).
واجتنابُ البغي بين الشركاء والخلطاء:
(وَإِنَّ كَثيراً مِّنَ الخُلطَاءِ لَيبْغيِ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ إلاَّ الَّذينَ أمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَليلٌ مَّا هُمْ) (سورة ص/ 24).
وعدمُ حرمانِ أنفُسِهِم من زينةِ الله التي اخْرَجَ لعبادِهِ والطيّباتِ من الرزق، واجتنابُهُم محارِمَ الله:
(قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينةَ اللهِ الَّتي أَخْرَجَ لِعبَادهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟ قُلْ: هِيَ للَّذينَ أمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا خَالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذلكَ نُفصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلمُونَ). (سورة الأعراف/ 32).
والتواصي بالحق والصبر والمرحمة:
(والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (سورة العصر/ 1-3).
والاستجابةُ للتوبةِ والتقوى للعبور من نفق الظلمات إلى النور:
(وَهُوَ الَّذِي يَقْبلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلمُ مَا تَفْعلونَ وَيَستجِيبُ الَّذينَ أمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزيدُهُم مِّن فَضلِهِ وَالكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَديدٌ) (سورة الشورى/ 25-26).
والاعتصامُ بالله لاستقبال ورحمته وفضله وهدايته:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنَزلنَا إِليْكُمْ نُوراً مُّبِيناً فَأَمَّا الَّذينَ أمَنُوا وَاعْتَصمُوا بِهِ فَسيُدْخلُهُم فِي رَحمةٍ مِّنهُ وَفَضلٍ وَيَهْديهِمْ إِليْهِ صِرَاطا مُّستَقيماً) (سورة النساء/ 174-175).
وَعَدَمُ اتّباعِ الظالمينَ والمنحرفينَ حتى لا يكونوا من المحرومين من دخول جنّة النعيم:
(وَبَرزُوا للهِ جَميعاً فَقالَ الضُّعفاءُ للَّذينَ اسْتكبرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُم تَبعاً فَهلْ أَنتُم مُّغنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِن شَيءٍ؟ قَالُوا: لَو هَدانَا اللهُ لَهدَيناكُمْ سَواءٌ عَلَينَا أجَزعنَا أَمْ صَبرنَا مَا لنَا مِن مَّحيصٍ وَقَالَ الشَّيطانُ لمَّا قُضيَ الأمرُـ: إِنَّ اللهَ وَعَدكُم وَعدَ الحَقِّ وَوعَدتُّكُم فَأَخْلفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَليكُم مِّن سُلطانٍ إِلاَّ أَن دَعَوتُكُم فَاسْتجبتُم لِي فَلاَ تَلومُوني وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصرخِكُم وَمَا أَنتُم بِمُصرخيَّ إِنِّي كَفرتُ بِمَا أَشركتُمونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظَالمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ وَأُدخلً الَّذينَ أمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ خَالدِينَ فِيهَا بإِذنِ رَبِّهِم تَحيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) (سورة إبراهيم/ 21-23).
ودستور إعلامهم (وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْناً) (سورة البقرة/ 83) وعدم اختلافِ إعلامهم مع أعمالهم، وعدم تغاضيهم عن الظلم والعدوان:
(يَا أَيُّهَا الَّذينَ أمَنُوا لِمَ تَقولُونَ مَا لاَ تَفعلُونَ؟ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقولُوا مَا لاَ تَفعلُونَ إِنَّ اللهَ يُحبُّ الَّذينَ يُقَاتلُونَ فِي سَبِيلهِ صَفّاَ كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرصُوصٌ) (سورة الصف/ 2-4).
وعدم ركونهم إلى زخارف الحياة الدنيا واشتغالهم بصالح الأعمال:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنكُمُ الحَياةُ الدُّنيَا وَلاَ يَغُرَّنكُم بِاللهِ الغَرُورُ إِنَّ الشَّيطانَ لَكُم عَدوٌّ فَاتَّخذُوهُ عَدُواً إِنَّما يَدعُوا حِزبَهُ لِيكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعيرِ الَّذينَ كَفرُوا لَهُم عَذابٌ شَديدٌ وَالَّذينَ أمَنُوا وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ لَهُم مَّغفرةٌ وَأَجرٌ كَبِيرٌ) (سورة فاطر/ 5-7).
وإيثارهم هِجْرَةَ الأوطانِ وتَحَمُّلَ الأذى في سبيل الحرية والعقيدة ابتغاءَ مرضات الله:
(قُلْ يَا عِبادِ الَّذينَ أمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُم: للَّذينَ أَحْسَنُوا فِي هَذهِ الدُّنيَا حَسنةٌ وَأَرضُ اللهِ وَاسعةٌ إِنَّما يُوفَّى الصَابِرُونَ أَجْرهُم بِغيْرِ حِسابٍ) (سورة الزمر/ 10).
وإيمانهم بوعد الله سبحانه بالاستخلاف والتمكين والتبديل إذا ساروا على منهج الله:
(وَعدَ اللهُ الَّذينَ أمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلوا الصَالِحَاتِ لَيستخِلفنَّهُمْ فِي الأَرضِ كَمَا استَخلفَ الَّذينَ مِن قَبْلَهمْ وَليُمكنَنَّ لَهُم دِينهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ وَليُبدلَنَّهُم مِّن بَعدَ خَوفِهِمْ أَمناً يَعبُدُونَني لاَ يُشْركُونَ بِي شَيئاً وَمَن كَفرَ بَعدَ ذَلكَ فَأولئكَ هُمُ الفَاسقُونَ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَأَتُوا الزَّكاةَ لَعلَّكُم تُرحَمُونَ) (سورة النور/ 55-56).
ويقينهم بوَعْدَ الله الصادق في الدنيا قبل الآخرة بنجاتهم من الهلاك والعذاب:
(وَلمَّا جَاءَ أَمرُنَا نَجَّينَا هُوداً وَالَّذينَ أَمَنُوا مَعهُ بِرحْمةٍ مِّنَّا وَنَجَّينَاهُم مِّن عَذَابٍ غَلِيظٍ) (سورة هود/ 58).
(إِنَّا لنَنصُرُ رُسُلنًا وَالَّذينَ أَمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ يَوْمَ لاَ يَنفَعٌ الظَّالمينَ مَعْذرتُهُم وَلَهُم اللَّعنةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (سورة غافر/ 51-52).
واعتقادهم الجازم بوعد الله بالنجاح والفوز في الدنيا والآخرة:
(وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى أَمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتحنَا عَليهِم بَركاتٍ مِّنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلَكنِ كذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكسبُونَ) (سورة الأعراف/ 96).
(إِلاَّ إِنَّ أَوليَاءَ اللهِ لاَ خَوفٌ عَليهِمْ وَلاَ هُمْ يَحزَنُونَ الَّذينَ أَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُم البُشرَى فِي الحَياةِ الدُّنيَا وَفِي الأَخرةِ لاَ تَبدِيلَ لَكلمَاتِ اللهِ ذَلكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ) (سورة يونس/ 62-64).
------------------------------------------
المصدر : موازين القرآن الكريم ص169-177.

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:09 am


ميزات الشخصية الإسلامية

إنّ المبادئ الإسلامية بمفاهيمها الأساسيّة ومناهجها التربويّة، تصنع شخصيّة متميّزة، لها سماتها، وتوجهاتها، وغاياتها الخاصّة، التي تميّزها بوضوح تام عن غيرها من الشخصيات الأخرى. وبمقارنة الشخصية الإسلامية بغيرها من الشخصيّات نستطيع أن نكتشف في هذه الشخصية الميزاتا التالية:
1 ـ الاتجاه العقلي.
2 ـ الإيجابية.
3 ـ الالتزام.
4 ـ التوجه المستمر نحو الكمال.
5 ـ الإتّزان.
6 ـ الاحساس الإنساني «يقظة الضمير، والحس الوجداني».
7 ـ النزوع القيادي.
1 ـ الاتجاه العقلي:
تتميز الشخصية الإسلامية بأنها شخصية عقلية، أي يسيطر العقل فيها على كلّ تصرّفات الفرد، وبواعثه، ودوافعه، وعواطفه، وغرائزه، وطريقة تفكيره.. فللعقل مقام القيادة والتوجيه في الشخصية الإسلامية، إذ يظهر أثره واضحاً في مجال السلوك والعلوم والمعارف.. الخ. فسلوك المسلم لا يخضع للاندفاع الغريزي التائه، ولا للميل الأناني والهوى الشخصي الذي تضيع فيه قيم الحق والعدل، وتتلاشى أمامه قواعد الأخلاق.. بل يتمحور السلوك عنده ـ على امتداد أبعاده، واختلاف مظاهره ـ حول مركز العقل، ويتحرّك على ضوء إشارته وهدى صوته.
فقد ورد في الحديث الشريف: «لمّا خلق الله العقل استنطقه، ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال: وعزّتي وجلالي، ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك، ولا أكملته إلاّ فيمن أحبّ، أما إنّي، إيّاك آمر، وإيّاك أنهى، وإيّاك أعاقب، وإيّاك اُنيب»().
وكما يظهر دور العقل واضحاً في مجال السلوك والمواقف الإنسانيّة، يتجلّى دوره كذلك واضحاً في مجال العلوم والمعارف، ومناهج البحث والتحصيل العلمي في حياة المسلمين.
فنظرة الإنسان المسلم إلى الأشياء، وفهمه وتفسيره لها، ليس فهماً مادّياً صرفاً، ولا تفسيراً حسيّاً متحجّراً، بل يجري هذا الفهم، والتفسير بطريقة واعية، تتجاوز حدود الحس والتجربة، وتوسّع آفاق المعرفة والثقافة.
2 ـ الإيجابية:
المسلم الملتزم إنسان إيجابي يعيش في حركة فكرية ونفسية وجسدية بنّاءة، بعيداً عن السلوك التخريبي الهدّام، رافضاً للتحجر والجمود، لا يرضى بالسلوك الانسحابي الذي يتهرّب من نشاطات الحياة، ويبتعد عن مواجهة الصعاب; لأنّ الإسلام يبني في الإنسان المسلم الروح الإيجابية التي تؤهله للعطاء، وتنمي فيه القدرة على الانتاج والابداع; بما يفتح له من آفاق التفكير والممارسة، وبما يزوده به من بناء ذاتي، ودافع حركي; ليعدّه إعداداً إنسانيّاً ناضجاً لممارسة الحياة بالطريقة التي يرسمها، ويخطط أبعادها الإسلام، لأنّ الحياة في نظر الإسلام: عمل، وبناء، وعطاء، وتنفس في الخيرات: (وَلِكُلٍّ وجهة هُوَ مُوَلِّيها فاستبقُوا الخَيْراتِ ) (البقرة / 148) .
فقد دأب الإسلام على جعل الحياة كلّها مجالاً مباحاً للإنسان يمارس فيها نشاطه، ويستثمر فيها طاقته وجهوده ـ عدا ما حرّم عليه من أشياء ضارّة، أو ممارسات هدّامة ـ فالمسلم أينما توجّه يجد المجال الرّحب، والمتسع الذي يستوعب كلّ جهوده وطاقاته ونشاطه; دون أن يجد الزواجر السلبية، أو يواجه النواهي التي تقتل قابلياته وطاقاته، أو تشل وعيه وإرادته.
وبذا يبقى طاقة حيّة، وقوة بنّاءة; تساهم في تجسيد مضامين الخير، وتشارك في العطاء والعمل.
وصدق أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وهو يصف هذه الشخصية بقوله: «فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجمّلاً في فاقة، وصبراً في شدّة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدىً، وتحرّجاً عن طمع. يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل، يُمسي وهمّه الشكر، ويُصبح وهمّه الذكر، يبيت حذراً، ويُصبح فرحاً، حذراً لما حذر من الغفلة، وفرحاً بما أصاب من الفضل والرّحمة، إن استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب، قرّة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريباً أمله، قليلاً زلله، خاشعاً قلبه، قانعة نفسه، منزولاً أكله، سهلاً أمره، حريزاً دينه، ميتة شهوته، مكظوماً غيظه. الخير منه مأمول، والشر منه مأمون. إن كان في الغافلين كُتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يُكتب من الغافلين.
يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيداً فحشه، ليّناً قوله، غائباً منكره، حاضراً معروفه، مقبلاً خيره، مدبراً شرّه، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب.
يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استُحفظ، ولا ينسى ما ذُكّر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضارّ بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، إن صَمَتَ لم يغمّه صمته، وإن ضحك لم يعلُ صوته، وإن بُغي عليه صبر، حتى يكون الله هو الذي ينتقم له.
نفسُه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بُعدُه عمّن تباعد عنه زُهد ونزاهة، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعد بكبر وعظمة، ولا دنوّه بمكر وخديعة»().
3 ـ الالتزام:
يبني الإسلام شخصية الإنسان المسلم على أساس وحدة فكرية، وسلوكية، وعاطفية، متماسكة بحيث تقوم هذه الشخصية على أساس من التنسيق والتوافق الفكري والعاطفي والسلوكي الملتزم، الذي لا يعرف التناقض ولا الشذوذ، لينسحب هذا الالتزام على كلّ مواقف الإنسان وأنماط سلوكه ونشاطه، الفردي والاجتماعي، فالأديب المسلم، والمفكر، والفنان، والمثقف، والعالم.. الخ، كل واحد منهم يخضع ممارساته، ونشاطاته لقواعد الإسلام وقيمه، ويساهم في بناء الحضارة الإسلامية بتوافق وانسجام تام مع الخطّ الحضاري الإيماني العام، تماماً كما يفعل رجل المال، والاقتصاد والعامل المنتج، والساسي القائد.. الخ.
فكل واحد من هؤلاء يخضع سلوكه لمقاييس، وقيم، وموازين ثابتة لديه، بحيث تأتي كلّها وفق الخط الإسلامي الواضح، تماماً كما ينسحب هذا الالتزام على السلوك والممارسة اليومية في العبادات والأخلاق والعلاقات الفردية المتعددة.. الخ.
وهكذا فإنّ الشخصية الإسلامية الملتزمة تفرز دوماً وحدة سلوكية وفكرية وعاطفية متماسكة متكاملة، دونماً ثغرة، أو تناقض، أو انحراف.. بحيث تتكشف هذه الجهود الفردية ضمن اطار التنظيم الاجتماعي العام لإشادة الهيكل الحضاري، وصنع صيغة التأريخ، وصورة الحياة، فالكل يعمل، ويؤدي دوره ضمن خارطة بناء اجتماعي وعقائدي متكاملة متناسفة، كما تنسق عاملات النحل جهودها لبناء خليتها وفق شكل هندسي وغائي متكامل.
4 ـ التوجه المستمر نحو الكمال:
للشخصية الإسلامية مثل أعلى، وقيم عليا، وقدوة رائدة في الحياة، تتمثل في تصوّر الإنسان المسلم لقيم الخيرة والكمال البشري الذي تحقق مجسداً ـ في القدوة الفذة ـ الرسول الأعظم (ص) والطليعة الراشدة من أصحابه وأهل بيته البررة.
قال تعالى: (لَقَد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ اُسوَةٌ حَسَنَةٌ لِمنْ كانَ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) (الأحزاب / 21) .
بالشخصية الإسلامية تنزع دوماً إلى الوصول إلى هذا المثل الإنساني الأعلى.. وتبرمج مسيرتها، وتصحح مواقفها على ضوء هذا المقياس، وهي تجد قبل هذا المثل الإنساني الحي، فكرة الكمال الإلهي المتسامي، وتعرف صفات الخالق العظيم; المتصف بالخير والكمال المطلق; من العدل والرحمة والصدق والكرم والحلم والعلم والشفقة والسلام.. الخ، فتكون تلك الصفات محبوبة لدى الإنسان المسلم، لأنّها صفات معبوده، فهو دوماً يتجه نحوها، وينزع إلى الاتصاف بما يلائم إنسانيته من معانيها، أملاً في تحقيق مرضاة الله، وسعياً وراء الكمال الذي يوصله إلى النعيم والفردوس.
5 ـ الإتّزان:
ومن ميزات الشخصية الإسلامية أنّها شخصية متزنة لا يطغى على موقفها الانفعال، ولا يسيطر عليها التفكير المادي، ولا الانحراف الفكري المتأتي من سيولة العقل، وامتداده اللاّمعقول، كما لا يغطى جانب من الميول، والنوازع على بقية قوى الإنسان ودوافعه.
فالإنسان المسلم يطلب الدنيا، ويسعى للآخرة، ويستمتع بلذات الحياة، ويستعد لعالم الجزاء، ويعمل، ويفكر، وينتج; بحيث يملأ كل جوانب الحياة عطاءً ونشاطاً، وهو حينما يمارس هذا النشاط الحياتي; إنما يمارسه ضمن مفهوم روحي، وتفكير إيجابي، لا يفصّل بين الدنيا والآخرة، بل يوحّد بينهما، ويربط بين أبعادهما، كما يربط بين السبب ونتيجته.. مستلهماً تلك الروح من وحي القرآن وتوجيهه: (وابتغ فيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الآخرةَ ولا تنسَ نصيبكَ مِنَ الدُّنيا، وأحسِن كما أحسنَ الله إليكَ ولا تَبغ الفَسادَ في الأرضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المفسدِينَ ) (القصص / 77) .
فهو دوماً شخصية متّزنة، يشبع كل جانب، ويعطي كل شيء حقّه، لا يفرط في شيء، ولا يتعدّى الحدّ المعقول في استعمال أي شيء..
إذا أحبّ أحبّ معتدلاً، وإذا أبغض أو غضب، أو عاقب كان معتدلاً، وإذا أكل، أو شرب، أو زهد، أو أنفق، كان معتدلاً.
(وإنْ عاقَبتُم فعاقِبُوا بِمِثْل ما عُوقبتُم بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُم لَهُوَ خَيْرٌ للصّابِرينَ ) (النحل / 126) .
(والَّذِينَ إذا أنفَقوا لَمْ يُسرِفُوا وَلَمْ يَقتَرِفُوا وَلَمْ يَقتَروا وَكانَ بَينَ ذَلِكَ قواماً ) (الفرقان / 67) .
(يا بَني آدَمَ خُذُوا زينتكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد كُلُوا وَاشرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّه لا يُحِبُّ المسرِفينَ ) (الأعراف / 31) .
وما أروع قول الله الجامع لكلّ أبعاد هذه الحقيقة السلوكية الهامة، وما أدق هذا القول وهو يوجه النبي العظيم (ص) إلى مكارم الأخلاق، ويضعه على وضوح من قانون الوجود المتوازن ليحقق بهذا الوضوح الانسجام الكامل مع الحقيقة الكونية الناطقة بعلم الله وحكمته: (فاستَقِمْ كَمَا اُمِرْتَ )..
فالقرآن الكريم حينما يطالب النبي بالاستقامة ـ وهي الاعتدال، والالتزام الوسط بين الافراط والتفريط ـ إنّما يستهدف الربط بين منطق الوجود في عموميته وبين سلوك الإنسان في الحياة (وَكُلُّ شَيء عِنْدَهُ بِمقدار ) (الرعد / 8) .
فلكلّ شيء في هذه الحياة قدر وقيمة محدّدة، ولا تنتظم مسيرة الحياة إلاّ بالتعامل معه حسب قدره وقيمته.
فالمسلم حينما يأكل ويشرب، ويتزوّج، ويحب، ويكره، ويغضب، ويعاقب ويتكلّم، ويتعب وينام، وينفق ويتعبّد، ويزهد ويستمتع بالملذات، ويتعامل مع الآخرين.. الخ، إنّما يمارس هذه الأفعال جميعاً وفق منطق الاعتدال، ولاتّزان الذي يسيطر على نظام الحياة، ويتحكّم بمسيرة الوجود; من غير إسراف، ولا إفراط، أو تفريط، انطلاقاً من الإيمان بأنّ الاعتدال هو منطق الوجود، وهو قانون الحياة التي انتظمت أبعادها ومسيرتها على أساسه، وإنّ الخروج على هذا القانون الكوني العام يعرض الشخصية إلى الاهتزام والاضطراب، ويقود وجود الإنسان بكامل أبعاده الجسمية والروحية، والنفسية إلى الانهيار والشذوذ.
وقد سجّل لنا الإمام علي (ع) في إحدى خطبه بعض مظاهر الاتّزان في الشخصية الإسلامية في وصفه للمتقين، فقال: «فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع».
ثمّ قال: «ومن علامة أحدهم أنّك ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجملاً في فاقة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرّجاً عن طمع».
6 ـ الإحساس الإنساني: «يقظة الضمير والحس الوجداني»
تمتاز الشخصية الإسلامية بأنها شخصية تتمتع بحس إنساني يقظ، وضمير متفتّح، يميل دوماً إلى التعاطف والرحمة، وينفر من القسوة والشدّة.
فالمسلم الملتزم سريع الاحساس، والمشاركة الوجدانية، رقيق القلب، متفتّح العاطفة; لذلك فهو سريع التفاعل والتعاون في مجالات البرّ والاحسان إلى الآخرين.. يخف إلى انقاذهم في شدائدهم، ويهب إلى مواساتهم في محنهم، ويشاطرهم في أفراحهم.. لا يقسو ولا يجفو..، مستوحياً هذه الروح من موقف القرآن الكريم..، رافضاً أن يكون من أولئك القساة الجفاة الذين لا يؤلفون، ولا يألفون أحداً، ولا ترق قلوبهم، ولا يحسون باحساس الآخرين، ولا يشاركونهم في أفراحهم، ولا يشاطرونهم أحزانهم.. أولئك الذين ماتت العواطف الإنسانية النبيلة في نفوسهم، وأجدبت من معاني الخير حياتهم: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كالحِجارَةِ أو أشَدُّ قسوَةً، وإِنَّ مِن الحِجارَة لَما يتفجَّرُ مِنْهُ الأَنهارُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماءُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يهبطُ مِنْ خَشيَةِ الله، وَما اللهُ بِغافِل عَمَّا تَعمَلُونَ ) (البقرة / 74) .
ويأتي اهتمام الإسلام بتربية الضمير، وتنمية الحس الوجداني كنتيجة لإيمانه بأنّ الضمير الحي، والحس الوجداني المرهف; هو الطريق إلى التفاعل، والترابط البشري السليم، وهو القاعدة النفسيّة التي تشاد عليها اُسس العلائق، والروابط الإنسانية..
وقد حثّت الأحاديث، والروايات المتعدّدة على ذلك وحببته وزينته بقدر ما كرّهت القسوة، والجفوة وغيبة الضمير.. فقد رُوي عن الرسول الأعظم (ص) قوله: «يقول الله تعالى اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي; تعيشوا في أكنافهم، فإنِّي جعلت فيهم رحمتي، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم، فإنِّي جعلت فيهم سخطي»().
ولعلّ من أبرز مظاهر يقظة الضمير، هو مظهر الاحساس بالذنب، والشعور بالخطيئة، ومحاسبة النفس عليها، تمهيداً لرفضها، والإنابة منها، والتوبة من العودة إليها.
وتتجلّى هذه الظاهرة بأسمى صورها في شخصية الإنسان المسلم; عندما تعيش بوعيه وإحساسه كأرقى ما تكون صور الحس، واليقظة الوجدانية.
فقد رُوي عن الإمام الكاظم موسى بن جعفر الصادق (ع) أنّه قال: «ليس منّا مَن لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسنة استزاد الله تعالى، وإن عمل سيئة استغفر الله منها وتاب إليه»().
7 ـ النزوع القيادي:
يشعر الإنسان المسلم دوماً أنّ على عاتقه مسؤولية رسالية كبرى، ودوراً تاريخياً مهماً، يجب عليه أن ينهض به ويؤديه. وهذا الدور هو اصلاح البشرية، وهدايتها، وقيادتها نحو شاطئ العدل والسلام، فهو يؤمن دوماً بأنه داعية خير، ورائد اصلاح، ومتمم لمسيرة الأنبياء في تبليغ رسالة الإيمان، وإنقاذ البشرية.
لذا فهو لا يقنع من نفسه بإصلاح نفسه فقط، ولا يقر اللجوء، إلى الانكماش والعزلة والابتعاد عن أوضاع مجتمعه وعالمه، ولا يرضى بأن يكون مقوداً بغير قيادة الإيمان، ولا يعترف بتسليم قيادة البشرية لأيدي جاهلية لا تعرف معنى الاصلاح، ولا تفكر بالخير، ولا يعنيها في أي هاوية سقطت البشرية.
وهذا النزوع القيادي يربِّيه القرآن الكريم في نفس الإنسان المسلم، ويحثه عليه، كما في قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلناكُمْ أُمَّة وَسَطَاً لِتَكُونُوا شُهَداء عَلى النّاس وَيَكُون الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً )(البقرة / 143) .
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزواجنا وذرّيّاتنا قُرَّةَ أعين واجعَلنا للمتّقِينَ إماماً ) (الفرقان / 74) .
فالقرآن هنا وفي الآية الاُولى، خاطب المسلمين ونبيهم بأنّهم الشهداء على الناس يوم القيامة، لأنّهم هم الدعاة، وهم المبلّغون لرسالة الإيمان، وهم القادة إلى الخير، وفي الآية الثانية يسوق أهداف الإنسان المؤمن القيادية لصيغة الدعاء فيقول: (واجعلنا للمتقين إماماً )، أي اجعلنا قادة للإيمان والتقوى، والخير والصلاح.
ويظهر هذا النزوع واضحاً في الدعاء الذي يردّده المسلم بقصد التقرّب إلى الله سبحانه: «اللّهمّ إنّا نرغبُ إليك في دولة كريمة، تُعزّ بها الإسلام وأهلهُ، وتذلُّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك، والقادةِ إلى سبيلك، وترزقنا فيها كرامةَ الدُّنيا والآخرة.
*المصدر : البلاغ

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:10 am



هو العفوُّ سبحانه

محمد تقي جعفري

يا مَن عفا عن عظيم الذنوب بحلمه يا مَن أسبغ النعماء بفضله يا مَن أعطى الجزيل بكرمه يا عدتي في شدتي يا صاحبي في وحدتي يا غياثي في كربتي يا وليي في نعمتي يا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ورب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ورب محمد خاتم النبيين وآله المنتجبين ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ومنزل كهيعص وطه ويس والقرآن الحكيم أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها وتضيق بي الأرض برحبها ولولا رحمتك لكنت من الهالكين وأنت مقيل عثرتي ولولا سترك إياي لكنت من المفضوحين وأنت مؤيدي بالنصر على أعدائي ولولا نصرك إياي لكنت من المغلوبين (من دعاء الإمام الحسين (ع) في صحراء عرفات).
إلهي، بهذا العجز عن السيطرة على الغرائز الحيوانية، وبهذه الغفلة المتعمدة عن عظمة الحياة والتي استوعبت أوقاتنا نحن بني الانسان، ليس هناك مَن نعلّق عليه الأمل في غفران ذنوبنا وآثامنا التي تثقل ظهورنا سوى حكمتك الربوبية وعفوك الإلهي وحلمك الواسع، لأن إكسير التغيير بيدك.
أيها الرب المنزه الذي لا نظيره له ولا
ساعدنا واعف عن جرمنا
علّمنا الكلمات الرقيقة
كي نستدر بها عطفك يا رفيق
يا مَن منه الدعاء والإجابة
ومنه الأمن والخوف
أصلح قولنا الخاطئ
فأنت المصلح يا ملك الكلام
ولديك الإكسير الذي تبدل به الأشياء
وإن كان نهر دم، تحوله إلى نيل
فهذه البدائع من أعمالك
وهذه الإكسير من أسرارك (مولوي)
خلال ظروف العسر والشدة، وحينما تلف الظلمات نفوسنا، ونقطع الآمال من كل أد، وتتبدد الأماني والطموحات، ولا تبدو في الأفق أية نافذة يمكن أن تسرب الضوء، يتلألأ آنذاك نور الحياة مرة أخرى في آفاق رحمتك وكأننا على موعد معه، وتسري روح جديدة في أجسادنا، وتكشف الدنيا لنا عن وجهها المحبب.
رباه! يا ملجأ كافة اللاجئين حين انهمار أمواج الويلات والكوارث، أنِلنا الدعة والراحة في كنف حمايتك ورعايتك.
أيها المعبود المطلق، يا خالق إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب، وإله جبريل وميكائيل وإسرافيل، ورب محمد خاتم الأنبياء وآله الذين اجتبيتهم، يا مُنزِل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ومُنَزّل كهيعص وطه ويس والقرآن الحكيم، أنت ملجئي وحصني حينما تُسدّ عليّ طرق الحياة ومنافذها، وتظلم الأرض وتضيق رغم رحائبها، وحينما لا أجد أي علاج لتلك الكربات التي طوقني من كل حدب وصوب.
ففي تلك اللحظات:
تزداد حيرتي مع ذهابي لأي صوب
حذارِ من هذه الصحراء وهذا الطريق الطويل (حافظ)
وفي تلك اللحظات أشاهد كل مكان أحدق فيه مثل جدران ذات منافذ تسرب النور، إلا أن ذلك النور المتسرب ليس بإمكانه إنقاذ طائر حياتي، ولابد لي أن أتمتم بالبيت التالي:
لا تُخدع فتتصور ضحكة الدنيا رحمة
فمنافذ القفص ليست منافذ للنجاة
وأرفع الرأس إلى السماء بانتظار هطول غيث رحمتك الذي تبعثه دون مقابل إلى الأزهار الذابلة في نفوس عبادك، فتنفخ فيها الحياة من جديد.
رباه! أنت الرحيم الكبير الذي تمنع عني انتقامك وما يترتب من آثار عليه بسبب أخطائي وشطحاتي، ولا تسمح للحجب بالانقشاع فتعصف الفضيحة القاتلة بشرفي وكرامتي. وأنت الذي تُنزل عليّ النصر والظفر في مواجهة الأعداء الذين يحيطون بي من كل جانب، كي أكون في مأمن من عار الهزيمة وشنارها.
*المصدر : على اجنحة الروح

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:10 am



هؤلاء هم المحسنون



* محمد متولي الشعراوي

يقول الحق سبحانه: (إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون) الذاريات/ 15-18.
الإحسان أن تفعل شيئاً فوق ما افترضه الله، ولكن من جنس ما افترضه الله، والمحسن الذي يدخل في مقام الإحسان، هو مَن يعبد الله كأنه يراه، فإنْ لم يكن يراه فهو سبحانه وتعالى يرى كل خلقه.
فالرؤية الإيمانية هي أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك، وتكون من هذه الرؤية أكثر يقيناً من رؤية العين، لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرةز
وقول رسول الله (ص) حينما سأله جبريل عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
هو بيان للرؤية الإيمانية في النفس المؤمنة، فالإنسان حين يؤمن، لابد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية، حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه يرى أهل الجنة وهم يُنعَّمون، وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه، وكأنه يرى أهل النار وهم يُعذّبون.
عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر رسول برسول الله (ص)، فقال له: (كيف أصبحتَ يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمناً حقاً. قال: انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاعفون فيها.
فقال (ص): (يا حارث، عرفت فالزم، عرفت فالزم، عرفت فالزم).
ولنا العبرة في سيدنا حذيفة (رض) حينما سأله رسول الله (ص) فقال له: كيف أصبحت؟ أي: كيف حالك الإيماني؟ قال حذيفة: يا رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومَدَرُها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يُنعّمون، وإلى أهل النار في النار يُعذّبون.
أي: أن الذهب تساوى مع الحصى.
فالانسان من أهل الصلاح يعرف أنه في لقاء دائم مع الله، لذلك يضع برنامجاً لنفسه موجزه أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر الله إليه.
يقول تعالى: (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير) الحديد/ 4.
إنه يستحضر أنه لا يغيب عن الله طرفة عين، فيستحي أن يعصيه.
وعندما تتيقن أن ا لله ينظر إليك، فكيف تعصيه؟
أنت لا تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبد مُساوٍ لك، فكيف تفعله مع الله؟!
ونحن نعرف أن من حسن العبادة في الاسلام، ومن السنن المعروفة قراءة القرآن ليلاً، وصلاة التهجد، وهذه في مدارج العملية الإيمانية التي يدخل بها الانسان إلى مقام الإحسان.
هناك مؤمن يقرأ القرآن في وقت من الليل، ومؤمن آخر يقرأ القرآن في وقت آخر، وكأن المؤمنين يقطعون الليل كله في قراءة القرآن.
والذي يدخل مع ربه في مقام الإحسان، فهو لا يصلي فقط صلاة العتمة، وهي ستأخذ (إنىً) واحداً، أي: وقتاً واحداً، ولكنه عندما يصلي في آناء الليل فذلك دليل أنه يكرر الصلاة، وزاد عن المفترض عليه.
وما دام زاد عن المفترض، فهو لا يكتفي بتلاوة القرآن؛ لأنه يريد أن يدخل في مقام الإحسان.
أي: أنه وجد ربه أهلاً لأن يصلي له أكثر مما افترض عليه، كأنه قد قال لنفسه: أنت كلّفتني يا رب بخمس صلوات، لكنك يا رب تستحق أكثر من ذلك.
فمعنى (محسن) أنه وَصفٌ للانسان الذي آمن بربه، فعبد الله بأكثر مما افترض.
تعبّدنا الله بخمس صلوات، فنزيدها لتصل إلى عشرين مِثلاً.
وتعبَدنا الله بصيام شهر في العام، ومنّا مَن يصوم في كل شهر عدداً من الأيام.
وتعبّدنا الله بالزكاة بالنصاب، ومنّا مَن يزيد على النصاب.
وتعبّدنا الله بالحج مرة في العمر، ومنّا مَن يزيد عدد مرات الحج.
فحين يريد العبد أن يدخل في مقام الإحسان، فبابه هو أداء عبادات من جنس ما تعبده الله به، فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها الله، ولكنه يزيد فيما افترضه الله.
هذه دقة البيان القرآني التي توضح مقام الإحسان، فيكون في مالهم حق للسائل والمحروم، وليس هناك قدر معلوم للمال الذي يخرج، لأن المقام هنا مقام الإحسان الذي يعلو مقام الإيمان.
ومقام الإيمان ـ بالنسبة للزكاة مثلاً ـ قد جاء ذكره في قول الحق سبحانه: (والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين) المعارج/ 24-26.
فالإنسان في مقام الإيمان قد يقيد الإخراج من ماله بحدود الزكاة، أو فوقها قليلاً، لكن في مقام الإحسان فلا حدود لما يخرج من المال.
ومثل هذا أيضاً، فقد كلّف الله المسلم بالصلاة، وأعلمه بأنه حُر بعد صلاة العشاء، وله الحق أن ينام إلى الفجر، فإن سمع أذان الفجر فليقم إلى صلاة الفجر.
لكن المحسن يريد الارتقاء بإيمانه، فيزيد من صلواته في الليل.
ويضيف الحق سبحانه مُذكراً لنا بصفات المحسنين: (وبالأسحار هم يستغفرون) الذاريات/ 18.
أكلَّف الله الخلق بأن يستغفروا بالأسحار؟
لا. بل إن الرسول يجيب على رجل سأله عن الفروض الأساسية المطلوبة منه، فذكر له أركان الاسلام، ومن بينها الصلوات الخمس المكتوبة، فقال الرجل: (والله لا أزيد على هذا ولا أنقص).
فقال (ص): (أفلح إنْ صدق).
وبذلك دخل هذا الأعرابي في نطاق المفلحين.
إذن: فالذي يزيد على هذا يُدخله الله في نطاق المحسنين.
فالإحسان، هو أن تفعل فوق ما كلفك الله مُستشعراً أنه يراك، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فترتضي التكليف، وتزيد على ما كلفك.
فيكون قد أدخلك الله في مقام الإحسان، لأنك حين جَرَّبتَ أداء الفرائض ذُقتَ حلاوتها، وعلمتَ أن الله يستحق منك أكثر مما كلفك به.
ولذلك فبعض الصالحين في أحد سبحانه قال: (اللهم. إني أخشى ألا تثيبني على الطاعة، لأنني أصبحتُ أشتهيها).
أي: صارت شهوة نفسي، فهو خائف أن يفقد حلاوة التكليف والمشقة، فيقول: يا رب، إني أصبحت أحبها، ومفروض منا أن نمنع شهوات أنفسنا، لكنها أصبحت شهوة، فماذا أفعل؟
إذن: فهذا الرجل قد دخل في مقام الإحسان، واطمأنت نفسه، ورضيت، وأصبح هواه تبعاً لما أمر به الله ورضيه.
ولذلك يجب أن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن المتقين، قال: (إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) الذاريات/ 15-16.
لماذا هم محسنون يا رب؟
يقول الحق سبحانه: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) الذاريات/ 17.
وهل كلّفني الله ألاّ أهجع إلا قليلاً من الليل؟
لا، إن التكليف أن يصلي الانسان العشاء من أول الليل، وينام حتى الفجر، لكن أن تحلو للمؤمن العبادة، ويزداد الإيمان في القلب والجوارح، ويأنس العبد بالقرب من الله، فالحق لا يرد مثل هذا العبد، بل إنه يستقبله ويدخله في مقام الإحسان.
والحق سبحانه يقول: (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون) الانعام/ 132.
فالأعمال تتفاوت، فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة، لكن التفاوت إنما ينشأ بكثرة العمل، أو باخلاص المقارف للعمل، والمكتسب، والفاعل له.
فهناك مَن يخلص بكل طاقته، وهناك مَن يؤدي عمله بنصف إخلاص.
ومسألة الإخلاص هذه لا تحددها لوائح ولا قوانين، إنما يحددها الحق سبحانه وتعالى.
ولذلك يقول محمد (ص) مبلغاً عن رب العزة هذا الحديث القدسي: (الإخلاص سرٌّ من سرِّي، استودعته قلب مَن أحببتُ من عبادي).
إذن: فمقاييس الإخلاص لا يعرفها إلا ربنا سبحانه وتعالى، وعلى مقدار ذلك تكون الدرجاتن فالدرجات تكون على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه الله عزوجل عليه.
والذي يقف عند ما فرض الله يجازيه الله على إخلاصه في أداء ما عليه، فالذي يزيد عما فرض الله من جنس ما فرض الله أشد فلاحاً.
ولا يصل الانسان إلى المرتبة التي هي أشد فلاحاً، إلا إذا كان في درجة أعلى.
والزيادة على ما فرضه الله، ومن جنس ما فُرض لها مَلحظان:
الأول: أن العبد يشهد لربه بالرحمة، لأنه كلّف دون ما يستحق.
الثاني: أن عمل الطاعة قد خفف على المؤمن فاستراح بها.
ألم يقل رسول الله (ص) عن الصلاة: (أرحنا بها يا بلال).
ورب العزة سبحانه يقول في الحديث القدسي: (ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنه).
إن الحق سبحانه يضع مسؤولية القرب من الله في يد الخلق، ويُسلِّم المؤمن مفتاح القرب من الله، فمن يكُن من أصحاب الخلق الملتزمين بالمنهج يقربه الله منه أكثر فأكثر.
إذن: فمن الناس مَن يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن الناس مَن يصل بكرامة الله أولاً إلىط اعة الله ثانياً.
ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك انسان يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك انسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه.
فما بالنا بعطاء الحق سبحانه لعباده؟
إذن: فمنهم مَن يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، ومنهم مَن يصل بطاعة الله إلى كرامة الله.
وحين يصل الانسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معيّة الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيراً.
والحق سبحانه يريدنا أن نكون موصولين به سبحانه، وهذه الصلة تتم بالصلاة فرضاً خمس مرات في اليوم، وترك سبحانه الباب مفتوحاً لتطوعك، فلا تترك ساعة تستطيع أن تكون فيها بين يدي الله إلا فعلتَ.
فقد يرى الواحد من عباد الله أن القيام بالفروض لا يتناسب مع حبه لله تعالى، فيزيد من جنسها على ما فرض الله، ويصلي ـ بدلاً من خمسة فروض ـ عشرة أخرى نوافل، أو يصوم مع رمضان شهراً أو اثنين، أو يصوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع.
وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه لله تعالى، وأن الله يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا العبد قد دخل في مقام الودّ مع الله تعالى.
ونحن حين ندخل في مقام الود والإحسان مع الله ونصلي في الليل، ونكون بارزين إلى السماء، فلا يفصلنا شيء عنها، وننظر فنجد نجوماً لامعة تحت السماء الدنيا، وأهل السماء ينظرون للأرض فيجدون مثلما نجد من النجوم المتلألئة اللامعة في الأرض، ويسألون عنها، فيقال لهم: إنها البيوت التي يصلي أهلها آناء الليل وهم يسجدون، وكل بيت فيه هذا يضيء كالنجوم لأهل السماء.
المصدر :صلاة الخاشعين

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:11 am



واجبات الأبوين تجاه أبناءهما


عائشة عبد الرحمن الجلال

1 ـ تهذيب وجدان الطفل:
إن الإيمان بالله المتولد في الأعماق البشرية عن معرفة صادقة بالله وعن محبته وتقواه هو: الأساس التربوي لبناء الشخصية المسلمة. لذا فواجب الوالدين نحو تهذيب وجدان أولادهما يتلخص في حرصهما على غرس الإيمان في أعماق النفوس الصغيرة الخالية من مفاتن الدنيا، وزخارفها، وأن يعملا على حماية جوارحهم المفطورة على التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، كما قال (ص) في حديث: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه)).
فالأبوان المسلمان مطالبان بتثبيت هذه الفطرة، وصيانتها من الضلال والانحراف.
ويمكنهما أن يستغلا إحدى خصائص الطفل الصغير وهي حبه للاستطلاع فيلفتان نظره إلى كل ما هو موجود حوله من أشجار، وجبال، وبحار، وحيوانات، وطيور مختلفة الأشكال والألوان، وغير ذلك مما يقع عليه سمع الطفل وبصره خلال الأربعة والعشرين ساعة التي يحياها، من الليل والنهار، ويطلبان منه لمس ما يمكن لمسه، وإنصات السمع لما له صوت، وتذوق ما يمكن أكله، وشم ما له رائحة، وتأمل ذلك بالبصر، والتفكر في عظمة الله الذي خلق هذه الأشياء على اختلافها وكثرتها.
وفي أثناء ذلك يزودان الطفل بالمعلومات الصحيحة، العلمية الخاصة بتلك الأشياء، بشكل عام، وبأسلوب يتفق مع مدارك الطفل بحيث تتكون لديه الصورة الصحيحة لتلك الأشياء، فيبني عليها المعلومات التفصيلية الموسعة، فيما بعد.
إن إشباع غريزة حب الاستطلاع لدى الطفل بهذه الطريقة، توصله إلى محبة الله حيث يوضح له الوالدان أن الله الذي خلق هذه الأشياء عظيم، وكبير، وقوي، ورحيم. فمن رحمته خلق هذا كله، ليستفيد منه الإنسان، ويحيا حياة طيبة كريمة لذلك فعلى الإنسان أن يحب الله الرحمن الرحيم.
وعندما يصل الطفل إلى هذه المرحلة، ويتقدم قليلاً في العمر يتوجب على الأبوين إشعاره بأهمية احترام الله لأنه حبيبنا، واحترام الله يتمثل في اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وهنا يبدأ الوالدان في إعطائه معلومات مبسطة عن الكتب السماوية التي تحتوي شرع الله، وعن أرسل الذين قاموا بتبليغ تلك الأوامر والنواهي للناس، والملائكة، وأن من وظائفها النزول بالأوامر والنواهي من الله إلى الرسل، وعن اليوم الآخر، الذي سيحاسب فيه الناس كل حسب عمله، وعن القضاء والقدر، الذي يتم اختبار الناس به وامتحانهم، وعن سائر الأمور الغيبية، الدالة على عظمة الله وقدرته.
إضافة إلى ذلك فواجب الأبوين أيضاً، تدريب أبنائهما على تأدية العبادات والشعائر الإسلامية المختلفة منذ السنة السابعة.
لقوله (ص): ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).
فتدريب الطفل على العبادة منذ نعومة أظفاره، يشعره بالخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالى، فيصبح قلبه مفعماً، بالإيمان، والحب والخالص لله.
وإذا تفتح قلب الطفل على الإيمان، وأشرقت روحه بضياء الحب الخالص لله. وخفقت جوانحه بالخوف والرهبة من عذاب الله وفهم الخطأ من الصواب، مال بطبعه إلى تقبل الأخلاق الفاضلة ورفض كل خلق غير سليم.
وهنا يصبح واجب الأبوين، إرشاد الطفل إلى الأخلاق الإسلامية السامية، وقد ترك لنا نبينا محمد (ص) مجموعة من الأحاديث والوصايا القيمة التي تطالب الأبوين بالحرص على تأديب وتهذيب أولادهما وإكسابهم الأخلاق الفاضلة، ومن تلك الوصايا ما يلي:
1 ـ قال (ص): ((ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن)).
2 ـ وقال (ص): ((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم)).
3 ـ وقال (ص): ((من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه)).
4 ـ وقال (ص): ((لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع على المساكين)).
وبتذوق هذه الأحاديث الشريفة، نجد أن التربية المحمدية سبقت التربية الحديثة إلى تقدير أهمية الطفولة، والنظر إليها على أنها التربة الصالحة لبذر بذور الأخلاق الطيبة والسلوك الحميد.
ومما قيل في أهمية التربية والتهذيب في الصغر، من قبل أحد رجال التربية الحديثة ((إن النقص الحاصل من إهمال التهذيب أشد وطأة، وأضر بالإنسان من نقص التعليم، فإن العلم يمكن تداركه في الكبر، أما التهذيب وتحسين الخلق، فهيهات، هيهات أن يصلح شأنه بعد فوات فرصته في الصغر، إن الخطأ في تهذيب الطفل لن يصلح أمد الدهر)).
بناءً على هذه فمسؤولية الآباء والأمهات، بصفة خاصة، وجميع المربين بصفة عامة، تجاه غرس الأخلاق الفاضلة في نفس الطفل مسؤولية عظيمة تحتاج إلى جهد وصبر وتضحية.
فهذه المسؤولية تتطلب تدريب الأطفال على جميع الصفات الخلقية الفاضلة من صدق، وأمانة وإخلاص، وكرم ...
كما تتطلب القضاء على كل خلق ذميم يلاحظه الأبوان على أولادهما مثل التلفظ بالكلام القبيح، والسب، ...
إن تدريب الطفل على الأخلاق الفاضل، يستدعي وجوده داخل وسط اجتماعي يحتك بأفراده ويتعامل معهم.
فعن طريق، هذا الاحتكاك، والتعامل، يمكن الحكم على مدى تطبيق الطفل لما درب عليه من الفضائل والأخلاق، كما أن وجوده داخل الوسط الاجتماعي يساعد على اكتسابه للعديد من الأخلاق الاجتماعية، بطريقة عملية.
إضافة إلى أنه يساعد أيضاً على اكتشاف ما إذا كان لدى الطفل ميل أو اتجاه نحو خلق غير سليم، فيُقوم في الحال، ويصرف عن ذلك الخلق، قبل أن يتعود عليه، ويتمسك به. لا سيما وأن الطفل اجتماعي بطبيعته ويميل إلى الانضمام إلى جماعة وأقران.
لذا فواجب الأبوين العمل على دفع الطفل إلى الانضمام إلى أصدقائه على أن يكون هؤلاء الأصدقاء، من بيئة معروفة بالصلاح والتقوى حتى لا يكونوا قرناء سوء للطفل.
وأول ما ينبغي من الأبوين الاهتمام به من الصفات الخلقية الحميدة، وتدريب الطفل عليها، صفة التواضع، واحترام أفراد المجتمع، وفي هذا يقول الإمام الغزالي: ((ويمنع الصبيُ من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والده أو بشيء من مطاعمه وملابسه، أو لوحته وأدواته، بل يُعوّد التواضع، والإكرام لكل مَن عاشره، والتلطف في الكلام معهم)).
ومن أروع الوصايا والمواعظ التي وعظ بها الآباء أبناءهم، والتي يجب على كل أب مسلم أن يعيها ويوصي بها أولاده، ما ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، على لسان لقمان الحكيم حيث قال تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بُني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم، ووصينا الإنسان بوالديه، حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك، إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعمهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً، واتبع سبيل مَن أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون، يا بني إنها إن تلك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير، يا بني أقم الصلاة، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير).
ومن الأخلاق الاجتماعية التي يجب على الوالدين تدريب أبنائهما عليها، إكرام الجيران والضيوف، والسلام.
ومن الأمور البالغة الأهمية التي ينبغي للأبوين المسلمين تدريب الطفل عليها منذ الصغر، الجرأة الأدبية في قول الحق، والنقد الاجتماعي البنّاء والدفاع عن آرائه المبنية على أهداف الشريعة الإسلامية وتعليماتها، وإقناعه بأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من أجل العبادة ومجاهدة العصاة ومُرتكبي المنكر، وكل مَن يحارب الله ورسوله.
وينبغي أيضاً الاهتمام بتدريبه على الإصلاح بين الناس منذ الصغر ليصبح قادراً على فك الخصومات والمنازعات بين المسلمين عندما يكبر.
إضافة إلى تدريبه على المحافظة على الممتلكات العامة، مثل أثاث الحدائق والمدارس ـ كما يحافظ على ألعابه وأدواته الخاصة ـ وتدريبه على احترام ولي الأمر، سواء كان، أب أو أخ، أو حاكم ...
2 ـ تدريب الطفل على العادات الصحية الإسلامية:
يقول الإمام الغزالي في تعليم الطفل آداب الطعام ((وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدب فيه، مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه، وأن يأكل مما يليه، وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وأن لا يحدق النظر إليه، ولا إلى مَن يأكل، وأن لا يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغ، وأن لا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده، ولا ثوبه، وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتماً، ويقبح عنده كثرة الأكل، بأن يشبه كل مَن يكثر الأكل بالبهائم، وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل، ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام، وقلة المبالاة به، والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان))، ويقول الغزالي أيضاً في تعليم الصبي آداب اللباس ((وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون وإلا بريسم، ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين، وأن الرجال يستنكفون منه، ويكرر ذلك عليه)).
هذا بالنسبة للصبي ((الذكر)) أما بالنسبة للبنت فعلى الوالدين ترغيبها في اللباس الساتر لجميع أجزاء بدنها، فيكون كاسياً لتلك الأجزاء سميكاً لا ترى البشرة من خلفه، فضفاضاً، حتى لا يجسد أعضاء الجسم. فإذا تعودت البنت على هذا اللباس منذ الصغر ألفته ولم تلتفت إلى غيره في الكبر.
وبالنسبة لتعويد الطفل على الرياضة يقول الغزالي: ((ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة، حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود ألا يكشف أطرافه، ولا يسرع المشي، ولا يرخي يديه، بل يضمهما إلى صدره)).
الأبوان المسلمان مطالبان أيضاً بتعويد الطفل على النظافة، والترتيب والطهارة والاهتمام بحسن المظهر، بحيث يكون الطفل دائماً في صورة حسنة.
ومن أهم الأمور التي يجب على الوالدين مراعاتها لتنمية جسم الطفل والحفاظ عليه من التعرض للأمراض والعاهات، الاهتمام بالتطعيم أو ما يسمى (اللقاح) ضد الأمراض التي تصيب الإنسان في طفولته الباركة، وتسبب له الكثير من العاهات والتشوهات والمشاكل الصحية المتعددة، مثل الشلل والسل وغير ذلك.
3 ـ تنمية فكره وصقل مواهبه:
إن تدريب الطفل على التفكير والتأمل باستمرار، بالإضافة إلى تزويده بالمعلومات والمعارف، هو السبيل إلى نموه العقلي، ونضجه الفكري ولا سيما وأن الطفل لديه قابلية شديدة، للتعلم في الصغر.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (قلب الحدث كالأراضي الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، وإنما كان ذلك لأن الصغير أفرغ قلباً، وأقل شغلاً، وأيسر تبدلاً، وأكثر تواضعاً).
وأول ما ينبغي تعليمه للأولاد، القرآن الكريم.
قال ابن خلدون: ((إعلم أن تعليم الولدان للقرآن، شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لم يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن اصل التعليم الذي يبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أن التعلم في الصغر أشد رسوخاً وهو أصل لما بعده لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى الأساس وأساليبه يكون حال من يبنى عليه)).
((ولقد نصح ابن سينا في كتاب السياسة بالبدء بتعليم الولد القرآن الكريم بمجرد استعداده جسمياً وعقلياً لهذا التعليم، ليرضع منذ الصغر اللغة العربية الأصيلة، وترسخ في نفسه معالم الإيمان)).
ويقول الغزالي: ((ثم يشغل في المكتب، فيتعلم القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم، لينغرس في نفسه حب الصالحين، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع، فإن ذلك يغرس في نفوس الصبيان بذور الفساد))، هنا يوضح الغزالي العلوم التي يجب تعليمها للطفل، والعلوم التي يجب إبعاده عنها، وكما تلاحظ فإنه جعل أول ما ينبغي تعليمه، للطفل هو القرآن الكريم.
والوالدان مكلفان بتعليم أولادهما، ما يعرفان من العلوم والمعارف بنفسيهما، بالإضافة إلى أن الأب مكلف شرعاً بالإنفاق على تعليم أولاده سواء بإحضار معلم فاضل لهم، أو إرسالهم إلى المدارس ودور العلم، قال رسول الله (ص): ((حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة وألا يرزقه إلا طيباً)).
قال ابن القيم: ((فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سدى، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً)).
هذا وبالنظر إلى هناك فروق فردية بين الأطفال تجعل كلاً منهم يختلف عن الآخر في جميع جوانب شخصيته، فكل طفل لديه قدرات خاصة، وطاقة معينة، وميول مختلفة.
وعلى الوالدين. أخذ ذلك كله في الاعتبار، أثناء عملية التعليم، والتوجيه للمهنة والعمل مستقبلاً.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ((قيمة كل امرئ ما يحسن)).
وقال ابن سينا: ((لكل إنسان باب من المعارف، أو فن من الصناعات قد سمح له به طبعه، ونادته إياه غريزته، فصار لديه كالسجية التي لا حيلة في تركها)).
بناءً على هذا فواجب الوالدين، يقتضي حرصهما على تعليم جميع أولادهما القرآن الكريم، وعلوم الشريعة الإسلامية، التي هي فرض عين على كل مسلم، لتكون عوناً لهم على فهم مقاصد الإسلام، وتطبيق أوامر الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك يوجهان كل ولد إلى الفرع الدراسي الذي يلائم طبعه، ويوافق ميوله، وليس فيه مخالفة للشرع (مثل علوم السحر، والموسيقى ... ).
وليس عيباً أن تتجه ميول الولد، إلى تعلم الحرف، مثل (الحدادة، والنجارة ... ) فهذه الحرف وأمثالها من مقتضيات عمارة الكون ومن الصناعات التي لا يستغني عنها أي مجتمع من المجتمعات.
ولكن العيب يكمن في دفع الولد إلى اختيار ما يخالف ميوله واتجاهاته من العلوم والمعارف، لأن النتيجة غالباً هي الفشل في الدراسة. فيخسر الوالدان ما دفعاه في تعليم الولد من جهد ومال، ويعيش الولد في قلق وتوتر، وضياع، نتيجة لقضاء سنوات طويلة من عمره في جهد لم يفلح فيه، وربما كان ذلك عائقاً له عن الاستقرار الاقتصادي والوظيفي مستقبلاً.
كما يخسر المجتمع الإسلامي، شخصية إسلامية، كان من الممكن أنت كون عضواً نافعاً من أعضاء الأمة الإسلامية، لو وجهت الوجهة الصحيحة.
إذاً فالمهم هو التوجيه السليم للولد ليختار ما يناسب ميوله من التخصصات وفروع العلم والمعرفة، مع تدريبه على الإتقان والإبداع في مجال تخصصه، وإقناعه بأهمية ذلك الإتقان والإبداع، وإقناعه أيضاً بأهمية التخصص الذي اختاره، وحاجة الأمة الإسلامية إليه، وذلك ليزرع الثقة في نفسه، ففي هذا تحفيز له على الرضا بما منحه الله من قدرات وطاقات، وبما يسره له من فروع العلم والعمل، وهذا يدفعه بالتالي إلى إتقان علمه وعمله ويجعله عضواً صالحاً لعمارة الكون.
وهكذا يتضح لنا أن لكل من الأبوين دوره الفعال في تربية الطفل وإعداده للحياة، وفي الواقع ليس هناك ما يفصل العناية بتهذيب وجدان الطفل عن الاهتمام بتنمية جسده وتوعية عقله.
فالطفل وحدة واحدة، مكونة من جسم، وعقل وروح. وهذه الوحدة تنمو بشكل مطرد ومترابط، والعناية بأحد جوانب هذه الوحدة، يؤثر تأثيراً مباشراً في جوانبها الأخرى.
فالعناية بصحة الطفل والاهتمام بجسده يشعره بالسعادة النفسية، فتشرق روحه، وتصفو نفسه فيصبح مستعداً لتقبل ما يبذر في تلك النفوس من البذور، فإذا كانت البذور، هي بذور الإيمان، والخلق القويم، ازدادت إشراقة نفسه، وانفتحت مداركه، واندفع إلى التفكير في عجائب الكون، وهذا التفكير يقوده بالتالي، وعن طريق التوجيه إلى التعرف على ما حوله من العجائب، فيزداد إيمانه بالله،وينقاد لأوامره ويجتنب نواهيه، فيزداد صحة جسمية ونفسية وعقلية، وهكذا ...
بقي أن نشير إلى نقطة مهمة جداً وهي: مراعاة الوالدين لمطالب كل مرحلة ـ من مراحل النمو ـ والعمل على إشباع تلك المطالب بما يتفق مع الهدف التربوي الإسلامي، ومراعاة الفروق الفردية بين أولادهما، والمساواة في معاملتهم وعدم تفضيل الذكور على الإناث، لأنهم جميعاً هبة من الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل مَن يشاء عقيماً).
وعلى الوالدين أيضاً، مراعاة التدرج في تربية الطفل وتعليمه، حسب سنه وكيفما يتفق مع مداركه، وقدرته على الفهم والاستيعاب.
وهذه قصة طريفة تبين مدى اهتمام السلف الصالح باتباع التدرج في تهذيب وتعليم الأطفال ((قال سهل بن عبدالله التستري، كنت وأنا ابن ثلاث سنوات، أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك؟ فقلت: كيف أذكره، قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات، من غير أن تحرك به لسانك الله معي، الله ناظر إليّ، الله شاهد، فقلت: ذلك ليالي، ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلته، فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة، قال لي خالي، احفظ ما علمتك، ودم عليه إلى أن تدخل القبر، فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة.
فلم أزل على ذلك سنين، فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل مَن كان الله معه، وناظر إليه، وشاهد، أيعصيه، إياك والمعصية، فكنت أخلو بنفسي، فبعثوا بي إلى المكتب، فقلت: إني لأخشى، أن يتفرق علي همي، ولكن شارطوا المعلم، أني أذهب إليه ساعة فأتعلم، ثم أرجع، فمضيت إلى الكتاب، فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين، أو سبع سنين)).
ففي هذه القصة نلاحظ، أن خال سهل، ألقى ببذور الإيمان في قلبه منذ حداثته، ثم ترك تلك البذور تنمو مع ملاحظتها، وتدعيم نموها، بالتدرج إلى أن أينعت وقطف سهل الثمار الشهية، حيث استقرت حلاوة الإيمان في قلبه، وحفظ القرآن الكريم، وأصب من عباد الله الصالحين المتقين. لذلك حثت التربية الإسلامية الآباء والأمهات والمربين عموماً، على الرحمة والمحبة والعطف، والشفقة، فتعليم الأطفال وتهذيبهم، بهذا الأسلوب هو الضمان بإذن الله لنجاح الجهود التربوية.
وفيما يلي نذكر حديثين لرسول الله (ص) والتي تبين مدى اهتمامه (ص) بالشفقة والرحمة والعطف على الأطفال.
1 ـ عن أبي هريرة (رض): ((قبّل رسول الله (ص) الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال: (إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً)، فنظر إليه رسول الله (ص) ثم قال: مَن لا يَرحم لا يُرحم)).
2 ـ قال أسامة بن زيد (رض): (كان رسول الله (ص) يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: ((أللهم ارحمهما فإني أرحمهما)) ).
ولكي يتمكن الوالدان من تأدية دورهما في تربية الأولاد، وتهذيب أخلاقهم بنجاح، لابد أن يكونا قدوة صالحة لهم.
فالطفل وخاصة في مراحل طفولته الأولى يرهف سمعه لكل كلمة يقولها الأبوان، ويترصد كل حركة تصدر عنهما، ثم يقلدهما في كل ما سمع ورأى. ومن الأبيان الشعرية الطريفة التي كتبت بهذا الخصوص ما يلي:
مشى السرطان يوماً باعوجاج فقلد شكل مشيته بنوه
فقال: علام تنحرفون؟ قالوا: بدأتَ به ونحن مقلدوه
ويـنشأ ناشئ الفـتيان منّا على ما كان عوده أبوه
ونظراً لأهمية القدوة الحسنة فقد أمر الله تعالى الآباء بإصلاح أنفسهم قبل تربيتهم لأولادهم فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة).
ففي هذه الآية أمر من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بأن يقوا أنفسهم أولاً وأهليهم ثانياً، من النار، وذلك بتطبيق شرع الله، وحث الأهل بما فيهم الأولاد والزوجة على التطبيق السليم.
وهكذا نرى أنه ((إذا كانت القدوة حسنة، فهناك أمل راجح في صلاح الطفل، وإن كانت القدوة سيئة فهناك احتمال أرجح بفساده.
وقدوة الطفل على الالتقاط ـ الواعي وغير الواعي ـ ، كبيرة جداً أكبر مما نظن عادة، ونحن ننظر إليه على أنه كائن صغير لا يدرك ولا يعي.
نعم، حتى وهو لا يدرك، كل ما يراه، فإنه يتأثر به كله، فهناك جهازان شديدا الحساسية في نفسه هما: جهاز الالتقاط، وجهاز المحاكاة، وقد يتأخر الوعي قليلاً أو كثيراً، ولكن هذا لا يغير شيئاً من الأمر، فهو يلتقط بغير وعي، أو بغير وعي كامل، وهو يقلد بغير وعي أو بغير وعي كامل كل ما يراه أو يسمعه)).
((إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة تكمن في نفوس البشر أجمع وهي: التقليد، وهي رغبة ملحة تدفع الطفل الضعيف والمرؤوس إلى محاكاة سلوك الرجل القوي والرئيس، كما تدفع غريزة الانقياد في القطيع، جميع أفراده إلى اتباعه واقتفاء أثره)).
إذاً على الوالدين أن يكونا على فهم تام بحقيقة دورهما، وضخامة مسؤوليتهما تجاه أولادهما، فليست المسؤولية، تنحصر في توفير الغذاء، واللباس والعناية بالجسم فقط، بل هذا جزء من المسؤولية، وهي التي تتمثل في تربية وتنمية جميع جوانب شخصية الطفل الجسمية والعقلية، والروحية.
إن الطفل نعمة من نعم الله لوالديه، وزينة لهما، يدخل وجوده على حياتهما البهجة والسرور، كما قال تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا).
لكنه في نفس الوقت امتحان من الله لوالديه، كما قال تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة).
فإذا أحسن الوالدان تربية أولادهما، حصلا على سعادة الدنيا والآخرة، واجتازا الامتحان بنجاح بإذن الله، وإن أصلا هذه التربية كان لهما سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا يخسران أولادهما، حيث ينشأ أولئك الأولاد، نشأة غير صالحة، فيكونون عناصر هدامة في المجتمع، ضرهم أكثر من نفعهم، فيسببون للوالدين المشاكل التي لا تنتهي، فكثير من الأولاد الذين لا يحسن الوالدان تربيتهم يسيئون إلى والديهم بالعقوق والعصيان والتمرد.
أما سوء العاقبة في الآخرة، فهو عقاب الله ومحاسبته على التفريط، وإضاعة الأمانة، وقد قال (ص): ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها)).

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ahmed fawzy
المراقبه العامه
المراقبه العامه


ذكر
عدد الرسائل : 1684
العمر : 41
رقم العضويه : 369
دعاء :
اعلام بلدك :
الهوايه :
الوظيفه :
نقاط : 1909
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 22/06/2009

مُساهمةموضوع: رد: أداب وأخلاق   الثلاثاء مارس 16, 2010 6:11 am



وسائط اكتساب القيم التربوية ودور الاسلام فيها


د. أحمد علي كنعان

يكتسب الطفل القيم الموجبة من المؤسسات التربوية داخل المجتمع الذي يعيش فيه وتشمل هذه المؤسسات الأسرة، وجماعة الأقران، والمدرسة، والمسجد والكنيسة والدير، ووسائل الإعلام وما تخرجه المطابع إلى عالم الصفحة المطبوعة..
فالطفل يولد وهو خلو من المعايير والقيم التي توجه سلوكه تجاه غيره وتغذيه الأسرة بتلك القيم التي تعتنقها والتي تساعده في الحياة والتفكير وهي تفسر له هذه القيم وتضع له مسلكاً لتطبيقها، والطفل يمتص من الأسرة هذه القيم عن طريق التحسين أو التقبيح، الاحترام أو الازدراء لأنماط السلوك والثقافة التي يرثها، وهو في كل هذا يمتص القيم التي تؤثر في أحكامه وحل مشكلاته.
وهذا يعود لكون الطفل يقضي في البيت فترة أطول من تلك التي يقضيها خارجه في المدرسة أو مع أترابه.
وأما المدرسة فهي بيئة نقية أوجدها المجتمع بهدف التربية إذ تحاول أن تكسب أفرادها القيم الإيجابية من خلال المناهج، ومن تفاعل المتعلمين مع المعلمين وإداريي المدرسة، وهذا كله يساعد في إدماج المتعلمين في قيم ومعايير واتجاهات محددة تتخطى الاختلافات الطبقية، وتساعد في تنقية القيم مما يشوبها، وغرس قيم جديدة وتبني نسقاً قيمياً مرغوباً لدى المتعلمين.
فالقيم قوة محركة لسلوك الفرد وعمله، وهي توجه أداء الطفل وجهة دون أخرى، والقيم يتمثلها الفرد من الحياة الاجتماعية، بيد أنها تبدو كما لو كانت شخصية وملكاً للفرد نفسه، وتكون القيم مرجعاً للفرد في الحكم على الجمال والقبح والخير والشر..
ومما هو جدير بالذكر أن القيم السائدة في المجتمع ليست بمجملها إيجابية وإنما هناك قيم سلبية والذي يهمنا أن نطرحه هنا هو ما القيم السلبية التي يمكن القول إنها تشيع في المجتمع والتي تحتاج إلى أن تلتفت إليها التربية المدرسية وغير المدرسية، والتي يمكن الاهتمام بها عند الكتابة للأطفال؟
إنه يمكننا أن نجمل معظم القيم السلبية بما يلي:
- القيم الأبوية المستبدة القائمة على التسلط والقسوة تجاه الطفل.
- قيم الأنانية الطفلية والفساد والأثرة المتناهية على حساب الآخرين.
- قيم الاستهلاك والعمل غير المنتج وازدراء العمل.
- القيم المكبلة لطاقات المرأة والشباب، رغم أهمية المرأة في المنزل وخارج المنزل في بعض المهن التي تتناسب وقدراتها، وكذلك الحد من قدرات الشباب بحجة افتقارهم لخبرة الكبار والشيوخ.
والقيم التربوية ليست بالضرورة قصراً على المنزل والمدرسة مما يحقق نظرة المربين للطفل نظرة كلية تكاملية، وتربية الطفل من الجوانب الثلاثة المعرفية والحركية والوجدانية يتطلب مساهمة جهات متعددة في تكوين القيم الانسانية لدى الطفل منذ بداية حياته، ومن هذه الجهات:
المؤسسات التربوية، والمربي، والمناخ التربوي، والمنهاج وهذا يتطلب وضع المتعلم في وسط إنساني حقيقي لتحقيق هدف التربية التي تتطلع إلى تكوين الانسان المؤمن بالقيم والاتجاهات السلمية، ولهذا فلابد للمربين والآباء من توفير متطلبات تلك التربية وتأمين مناخ إنساني ملائم..
ولقد أجمع المربون التقدميون على أن تطوير التربية لتصبح أكثر حياة ومعنى يتطلب توفير مجموعة متكاملة القوى، وأن غرفة الصف وحدها ليست هي المكان المناسب لتأمين المناخ الإنساني الصحيح، وفي هذا الصدد تلعب جماعة الأقران أو الأتراب دوراً فعالاً في غرس القيم وتزويد الأطفال والمراهقين بمعايير تناصر أو تؤيد اتجاهات الأسرة أكثر من مخالفتها.
وكذلك تلعب وسائل الإعلام من خلال ما تقدمه من خبرات متنوعة وفقرات ترفيهية دوراً يساعد في غرس وتدعيم وتوجيه والأفراد ونمو قيم محددة موجبة وتنفرهم من قيم سالبة إذا ما أحسن استخدامها، فهذه الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة تأخذ وقتاً عريضاً من وقت الطفل وهي تؤثر في نسق القيم لدى الأفراد من خلال ما تقدمه من القدوة الحسنة والإقناع العقلي والإقناع العاطفي والخبرات الثرة، وقد تنبه التربويون ومسؤولو الإعلام إلى خطورة هذه الوسائل ودورها الفعال في حياة الطفل فعقدت الندوات المتعددة ومن بينها الندوة المنعقدة في دمشق ما بين 10-12 حزيران 1989م، بالاشتراك مع منظمة المم المتحدة حيث نوقشت موضوعات متعددة شملت ثقافة الطفل وأدبه ولغته وقيمه التربوية. وحضرها العديد من الباحثين والتربويين والمشرفين على الإعلام والقائمين على رأس العملية التربوية، بالاضافة إلى المنظمات الشعبية، وتخلل الندوة إلقاء محاضرات ومداخلات عديدة من المشاركين والحضور.
ولعل أهم ما نحتاجه هو أن نتعرف ما لدينا وبالذات في مجال الإعلام والثقافة وإجراء مسح شامل لما هو قائم ليكون ذلك هو المنطلق إلى تنشئة الأبناء دينياً وقومياً وأخلاقياً.
ومن أهم وسائط اكتساب القيم عند طفل ما قبل المدرسة التعاليم الدينية التي يتلقاها الفرد منذ نعومة أظفاره، ولنقف بإيجاز عند الدين الاسلامي، وأثره في قيم الفرد وسلوكه.
الاسلام دين السماء الذي استطاع المزج الفريد بين المثالية والواقعية مع التطلع إلى بناء القيم الأخلاقية في العالم من خلا الألوهية والتعالي. وقد كان الاسلام آخر الأديان السماوية التي يعتقد المسلمون أن يكملها أو بالأحرى يصححها ويضع الأسس لبناء نظام دولة أيضاً يقوم على الأسس الايديولوجية التي وضعها. ويعد الرسول محمد (ص) المثل الأعلى في السيرة الذاتية لكل المسلمين في أرجاء العالم وبالنسبة للعرب بالذات يعد بطلاً قومياً حتى بالنسبة للمسيحيين منهم.
ينقسم الاسلام إلى ثلاثة فروع أساسية: الأول هو القرآن الكريم ويعد كلام الله المنزل وقد تمت ترجمته إلى معظم اللغات الحية، الثاني هو السنة النبوية وهي كل قول أو عمل للرسول محمد (ص)، الثالث هو مجمل الدراسات والاجتهادات التي فسرت الجوانب المختلفة للدين. ولا خلاف بين المسلمين على القرآن وإن اختلفوا حول جوانب تفسيره، وقد كان هناك خلاف حول عدد من الأحاديث التي قالها الرسول وذلك حول صحة نسبتها إليه شخصياً لأنها جمعت بعد زمن طويل نسبياً من وفاته، ولكن بالتأكيد فلا خلاف يذكر حول الأحاديث التي تتعلق بالتربية أو بعض جوانب الحياة الأخرى وتركز الخلاف حول الأحاديث التي تتعلق بصلب العقيدة الاسلامية وخاصة ما يتعلق بمسألة الخلافة.
وترتكز فلسفة التربية الاسلامية للقيم عند الطفل على قاعدة فصل الانسان عن ظروف المجتمع الذي يعيش فيه. ون الدين والتربية المناسبة له هو ما ترشحه فطرة الانسان له من مصير وليس ما توارثه عن المجتمع، فالانسان مفطور على الخير والقيم المطلقة التي لا ترتبط بمجتمع معين بل بالانسانية كلها.
يقول الرسول محمد (ص): ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)). فالوالدان يغرسان في الطفل قيم الدين الذي يعتنقانه وقد حدد الرسول (ص) ثلاثة أديان معروفة في عهده هي المسيحية، واليهودية، والمجوسية. الدينان الأولان يعتبر الاسلام أنه جاء مكملاً لهما وخاتمة للأديان السماوية ومصححاً لكل ما يمكن أن يكون قد دخل فيهما من تحريف في الكتب المنزلة من السماء: التوراة والإنجيل. أما المجوسية فهي الديانة التي كانت سائدة في الامبراطورية الفارسية والتي ترتكز على عبادة النار كرمز للقوة والنور.
والسجل القيمي في كل الأديان المذكورة متشابه وتحديداً في فكرة العدالة لكن الاسلام يختلف في موضوعية التوحيد المطلق لله وتساوي البشر أمامه مهما كانت أديانهم ومعتقداتهم وأنه يرزقهم جميعاً: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات/ 14.
(وكلاّ نمد هؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً) الإسراء/ 21.
وفي هذا المعنى يوجه الشاعر المهجري نسيب عريضة نداءه إلى الانسان أينما وجده وهو في ديار الغربة:
ادنُ مني مسلّماً نتعارف
قبل أن يعلن العيان زواله
ولنسر صاحبين في مهمة العيش
فنطوي وهاده وتلاله
وسيأتيك أين كنت صدى حبي
فتدري جماله وجلاله
ويرى الاسلام أن المرحلة المبكرة من الطفولة لا تسمح بفهم واستيعاب القيم، والواضح أن سن العاشرة هي ما يمكن أن نطلق عليه بدء مرحلة عملية المفاهيم، يقول الرسول (ص): ((علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر)). وهذا يوحي أن هذه المرحلة هي بداية النضج العقلي الحقيقي علمياً وتحمل المسؤولية، وهذا ما أشار إليه بياجيه حيث يبدأ الطفل باستيعاب المفهوم والنقد والتحليل في هذه المرحلة ما بين السابعة والعاشرة وسماها المرحلة الفعالة. ولهذا سمح الاسلام باستخدام العقاب الجسدي من أجل تحقيق اكتساب القيم الأخلاقية وتطبيقها.
وفي كل الأحوال فإن من الضروري للطفل ما قبل المدرسة في الاسلام أن يعطى الحرية ليعيش طفولته الحقيقية بعيداً عن أداء الطقوس وبعيداً عن المسؤولية الأخلاقية وأن تقتصر المرحلة في مجال النمو الأخلاقي على التلقين وشرح المثل العليا والتعزيز اللازم لبناء هذه المثل تمهيداً لفهمها فيما بعد والالتزام بها وبالتالي تحمل المسؤولية الأخلاقية تبعاً لقيم المجتمع وقوانينه وتقاليده المرتكزة على الايديولوجيا الاسلامية. ولكن كان لهذا الدين رأي حاسم في موضوع بناء الأسرة التي يمكن أن تؤسس وتضع الإطار الذي ينمو فيه الطفل ليصبح صالحاً وأخلاقياً ليتمكن من هزيمة نزعات الشر الموروثة فيه، ولهذا فقد أعطى الاسلام للوراثة من جهة المرأة (الأم) تحديداً دوراً حاسماً في تكوين القيم الأخلاقية لدى الطفل، وركز على ضرورة الزواج من المرأة الصالحة. واختيار المرأة الصالحة يعني طفلاً ينمو في بيئة تطبق القيم الأخلاقية وتعطيها للطفل بالمعنيين (الاقتداء والتلقين) واعترافاً بأهمية الأم في هذا المجال، قال الرسول (ص): ((تنكح المرأة لثلاث: لجمالها ومالها ودينها فاظفر بذات الدين..))، وحذر (ع) من الزواج من المرأة الجميلة التي ترعرعت في أسرة فاسدة، فقال: ((إياكم وخضراء الدمن، قالوا: ومَن خضراء الدمن يا رسول الله؟ قال: المرأة الجميلة في المنبت السوء).
وتعد المرأة في الاسلام محورة الأسرة الحقيقي، فهي المربية الحقيقية للطفل وهي التي تمتلك دوراً بالغ الأهمية في منح القيم الأخلاقية له، ولهذا أوصى الاسلام بالأم كثيراً، يقول الله عزوجل: (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين، أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) لقمان/ 13.
والرسول يوصي بحسن صحابة الأم ثلاث مرات مما يعني أنها القاعدة الأساسية للتربية الخلقية في الأسرة وهي بالنتيجة أحق بالصحبة والاقتداء والتكريم، يقول الرسول (ص): (عندما سأله أحدهم مَن أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أبوك). وللأب في الاسلام أيضاً دوره الحاسم في الأسرة، فهو يكون المثل الأعلى للاقتداء والتقليد بالنسبة للذكر والأنثى على حد سواء، فهو الأقدر على فرض النظام في المنزل ومنع الانحرافات الخلقية، وهو الموجه الأخير للأطفال نحو المستقبل.
والأطفال في الأسرة الاسلامية بحاجة إلى أب دائماً أو بديل عن الأب، هذا الدور الذي لا تقدر عليه الأم أبداً وخصوصاً مع الذكور من الأولاد في المرحلة قبل المدرسية وبعدها. وبشكل عام فإن دور الأم لا يقل أهمية عن دور الأب في بناء الأسرة وتلقينها القيم الأخلاقية الرفيعة في المجتمع.
ولعل من المفيد في هذا الصدد أن نستعرض بعض النماذج من آراء المربين المسلمين في الطرائق الأفضل لتكوين القيم الأخلاقية في الطفولة المبكرة ولعل أهم ما يمكن عرضه هنا هو آراء ثلاثة من أشهرهم: أحمد بن تيمية، محمد الغزالي، عبدالرحمن بن خلدون، وقد عاش هؤلاء ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي وهي الفترة التي تميزت بنمو الفكر الأصولي الاسلامي وانحسار حركة النهوض الفكري الفلسفي المتأثر بالفلسفة اليونانية.
ومما هو جدير بالذكر أن أحمد بن تيمية المولود في جنوب دمشق (1263-1328م) كان من أبرز العلماء المسلمين في عصره وقد أفتى في ضرورة التصدي للغزو المغولي للعالم الاسلامي ورغم أن الغزاة قد أصبحوا مسلمين في القرن الحادي عشر الميلادي.
ويمكن تلخيص آراء أحمد بن تيمية في التربية الخلقية للطفل بالعناصر التالية:
1 ـ الملاحظة الدقيقة للطفل من قبل الأسرة وتقديم العون والإرشاد النفسي الدائمين. وكذلك التعزيز في سبيل حل المشكلات الأخلاقية التي تواجهه داخل الأسرة وخارجها.
2 ـ تأصيل القيم الأخلاقية الاسلامية بحيث تستغرق كل أبعاد شخصيته مثل: قيم توحيد الله وعبادته والقيم المرتبطة برعاية الجسم وإشباع حاجاته والقيم المتعلقة بالعمران وعدم التخريب والسعي إلى كسب الرزق والقيم المتعلقة بالتفكير والتدبير والكرم والحلم والأمانة والمحبة والأمل والأخوة والمعاملة الطيبة والمسؤولية الاجتماعية وغيرها.
3 ـ غرس القيم الاسلامية الصحيحة في الطفل بوساطة الإرشاد اللفظي وتعليمه أن تكون حياة الرسول والصحابة والشهداء مثله الأعلى وأن يرفض كل ما دخل على الاسلام من شوائب فكرية ومذاهب أخرى.
4 ـ أن يكون التعليم الخلقي منسجماً مع خبرات الطفل وسلوكه ودوافعه البيولوجية لا معاكساً لها، وأن يكون تعديل هذه الدوافع بما ينسجم مع السلوك الاجتماعي الصحيح ووضع الغرائز العدوانية لدى الطفل في قنواتها الخيرة للسلوك الطيب.
5 ـ يعتقد ابن تيمية أن الطفل يولد صفحة بيضاء وعلى قدر نوعية المثيرات الخلقية التي يتلقاها من البيئة التي يعيش في وسطها على قدر اكتسابه لقيم أخلاقية أو اتجاهه نحو الشر وهذا ما يتعلق بالأسرة.
6 ـ إعطاء الطفل حرية مقيدة وتعويده على أن الحرية المطلقة ليست مفيدة.
7 ـ استخدام الثواب والعقاب مع التأكيد على أن الثواب (التعزيز الإيجابي أفضل من العقاب وأحياناً يؤدي إلى تثبيت السلوك أكثر منه إلى تعديله).
8 ـ القدوة الحسنة من قبل الأبوين مهمة جداً في مجال التربية الأخلاقية.
وأما أفكار الإمام محمد الغزالي المولود في بلاد خراسان (طوس 1058-1111م) في مجال التربية الخلقية للطفل فيمكن تلخيصها بما يلي:
1 ـ إن للأسرة أهمية كبيرة في نمو القيم الأخلاقية لدى الطفل، وعلى قدر نوعية الخبرات والمثيرات التي يمتصها من والديه ينشأ سليم النفس طاهر العقل.
2 ـ خلق الطفل قابلاً للشر والخير معاً ووالداه هما اللذان يمنحانه القيم الأخلاقية أو عكسهما.
3 ـ يجب حجب الطفل عن رفاق السوء وتعويده قيم الاعتدال والخشونة في الملبس والمأكل ومناهج الحياة.
4 ـ الأم وأخلاقها عامل مهم في تربية الطفل.
5 ـ التربية تعتمد على ضبط السلوك بالثواب والعقاب في سبيل أن ينشأ الطفل متوافقاً ومتكيفاً مع مجتمعه وقيمه.
يصر الغزالي على ضرورة تجاهل أخطاء الطفل الأولى ومعاقبته إذا عاود الخطأ مع ضرورة التوضيح والشرح بسبب الثواب أو العقاب في حال استخدامهما.
7 ـ المحافظة على شعور الطفل أمام الآخرين إذا أريد توبيخه أو معاقبته.
8 ـ يجب عدم الإكثار من توبيخ الطفل لأن ذلك يؤدي إلى تعويده على ذلك وعدم استجابته.
9 ـ يجب تعويد الطفل على أن يكون سلوكه علنياً واضحاً وأن يتطابق فكره مع سلوكه وأن يمارس دائماً العمل النافع للجماعة.
10 ـ يجب ذكر الله أمام الطفل دائماً وتشجيعه على الصدق والإخلاص وإرضاء الله.
11 ـ يجب غرس قيمة الكرم والغيرية في نفس الطفل وأن يتعود على الإعطاء لا الأخذ ويمكن استخدام مثال الكلب في سبيل منعه من الأخذ.
12 ـ غرس قيمة احتقار المال في نفس الطفل ويعد الغزالي ذلك من الأمور الهامة.
13 ـ تدريب الطفل باكراً جداً على الاتجاهات المتعلقة بالأدب الاجتماعي: النظافة، الترتيب، عدم البصق، عدم التثاؤب بحضور الآخرين، قلة الكلام، آداب الطعام.
14 ـ تعويد الطفل على عدم النوم في أثناء النهار، لأن ذلك يورث الكسل وكذلك ممارسة الرياضة واللعب الهادئ الجميل الذي يتناسب مع ميوله.
15 ـ تعويد الطفل الذكر على لبس الملابس البيضاء فهي أنسب للذكر من الملابس الملونة.
وأما المربي ابن خلدون فهو عبدالرحمن بن محمد والمشهور بابن خلدون ولد في تونس (1332-1406م)، ويعد مؤسس علم الاجتماع بعد تأليف كتابه المعروف (مقدمة ابن خلدون) وهو من أوائل مَن نادى بديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص في الحصول على العلم أمام الجميع وضرورة التركيز على التعليم المهني لمصلحة المجتمع وكذلك التعليم المستمر والنظامي ولهذا فهو يعدّ رائداً من رواد التربية الحديثة، وقد تحدث في مقدمته عن ضرورة استخدام وسائل الإيضاح والتدرج من البسيط إلى المركب ومراعاة الفروق الفردية والوسائل المتعددة للتدريس بحسب مقدرة كل تلميذ على الاستيعاب. وأما في مجال تربية الأطفال والقيم الخلقية فقد جاء ما يلي:
1 ـ يجب أخذ الطفل بالرفق واللين، فالشدة مضرة وتؤدي إلى عكس المطلوب.
2 ـ إن العقاب الصارم يؤدي بالطفل إلى التظاهر بغير ما هو عليه ويعوده على الكذب والخبث والمكر والخداع وغير ذلك من الأخلاق المتجهة نحو الشر والفساد.
3 ـ يجب مراقبة مقدرة الطفل على الاستيعاب من أجل توجيهه بشكل أفضل نحو الأخلاق الحميدة. وعلى الوالدين ألا يحملا طفلهما أكثر مما يحتمل من التوجيهات الخلقية فإن ذلك لا يفيده.
4 ـ يجب الاعتماد في تدريب الطفل على القيم الخلقية بأن يكون المربون قدوة للطفل مع إتاحة الفرص له لاختبار ما تعلمه وضرورة ضرب الأمثلة المحسوسة له حتى يتمكن من الاستيعاب فإنه لا يفهم المجردات مطلقاً.
ويجدر بنا في هذا الموضع أن نبين من خلال بعض الدراسات أثر قيم الأبوين في طفل ما قبل المدرسة ومن بين هذه الدراسات دراسة على أطفال الطبقة الفقيرة في الولايات المتحدة الأمريكية شملت أطفالاً من 4-5 سنوات تمت فيها دراسة أثر الاتجاهات الوالدية والمعاملة في المنزل على سلوك الطفل الاجتماعي في الروضة. هذه الدراسة اعتمدت على زيارات منزلية للأطفال وتسجيل ملاحظات حول نظام المنزل وقيم الأبوين وأنماط الأطفال موضع البحث (عدواني، غيري، يسعى للمنافسة إلخ..) وكذلك مدى قسوة النظام المنزلي تجاه الطفل وما يمكن أن يلحقه به من أذى في سلوكه الاجتماعي وطريقة حله للمشكلات التي تواجهه وشكل المنافسة مع الأقران، ويقرر الباحثون (بيتت، ودودج وبراون) في عام 1988م أن تحليلاتهم لعوامل الكبت الذي عانى منه الأطفال نتيجة المعاملة الأبوية يؤثر بدرجة كبيرة على علاقاتهم بأقرانهم، أما قيم الآباء واتجاهاتهم وتوقعاتهم فإنهم تقوم بدور العوامل الوسيطة عند الأطفال في تأثيرها على أساليب السلوك الاجتماعية لهم وطريقة حلهم للمشكلات، وبالتالي فإن الباحثين يوصون بأخذ العلاقات الأسرية في المنزل بعين الاعتبار عند وضع البرامج الخاصة بالتطبع الاجتماعي للأطفال في الروضة وذلك لأثرها البالغ والحاسم عليهم وعلى اتجاهاتهم الإيجابية والسلبية تجاه ما يحيط بهم.
ولابد من الإشارة إلى مسألة هامة تلك هي أثر شبكة العلاقات الاجتماعية للأبوين على تكوين اتجاهات طفل ما قبل المدرسة (المرحلة الابتدائية) وأهمية هذه الشبكة تأتي من اتساع تأثيرها على الأبوين أولاً وبالتالي على الأطفال، فهي بالنسبة للأطفال يمكن أن تسرع في التطبيع الاجتماعي وتخفيف التمركز حول الذات والنمو الجسدي الأفضل من خلال ممارسة اللعب مع الأقران من أطفال الأقرباء والجيران وزملاء العمل.. الخ. وكذلك تسريع النمو المعرفي بوجود المثيرات المناسبة التي يمثلها الآخرون وما يستدعي ذلك من خلق لغة أفضل وتكون المفاهيم والمجردات والمهارات الحركية وغيرها والعلاقات التبادلية المبكرة وأثرها على اتجاهات غيرية وتعاونية لمجمل حياة الطفل.
*المصدر : ادب الاطفال والقيم التربوية

_________________
[وحدهم المديرون لديهم صلاحيات معاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أداب وأخلاق
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه الغريب الاسلاميه :: القسم الاسلامى :: الإسلامى العام-
انتقل الى: